قال: أخذ القرآن في قريته، ولم يتجاوزها، ثم افتتح العلم عند أبي سالم ابن عمه، ثم انتقل إلى مدرسة (دودرار) بـ (رسوكة) عند الأستاذ سيدي إبراهيم المحجوبي الرسموكين ولازمه ما شاء الله، حتى أدرك وحصل ونال منالاً كبيرًا، فأقبل على المشارطة والتدريس والإفتاء والقضاء، فكان من بين ما شارط فيه إذ ذاك، مدرسة بونعمان، ثم بدا له أن يرتحل لإتمام معارفه في فاس، فصمد أولاً إلى ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، فزاره قبل أن يلم بـ (فاس)، وقد وقعت له في ذلك السفر غريبة، وذلك أن اللصوص وقعوا على القافلة التي كان فيها، فانحاز بالبغلة التي ركبها إلى جانب، فأوقفها منتظرًا ما يصنع به، فأعمى عنه أبصار اللصوص إذ ذاك، حتى انتهبوا القافلة عن آخرها، ثم تفقدوا فلوا كان يتبع أمه، وهي مركب مقدمهم، فوجدوه واقفًا إزاء البغلة، فانطق الله المقدم، فقال لهم: إن هذه البغلة وصاحبها في حمى الفلو، فلا يمسهما ماس، فكان ذلك سبب نجابته وحده من بين كل من في القافلة.
ثم ذكر الأستاذ الذي وقعت بينه وبينه قضية العتبية، وسماه المهدي (وهو المهدي بن سودة)، فكان مكبًا على الأخذ عنه وعن آخرين، فألقيت 367/13
368/13 عليه محبة منهم، حتى أن أحدهم راوده أن يعلمه سر الحرف، فعزف عن ذلك مستتنكفًا أن ينزل بهمته من الذروة إلى الحضيض، ثم إنه ندم بعد ذلك حين يتوقف بعض التوقف في الخصاصة، ويقول: يا ليتنا تعلمناه، فإنه أولى وأفضل من هذا الذي نحن فيه، يعني القضاء بين الناس، وكا صاحب همة تناطح الجوزاء، وتنتعل العيوق.