تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم الشيخ الكبير، والعلم الشهير، من له اليد الطولى، في تمييز الأقوال، والخبرة بمقادير فضلاء الرجال، يقول أين فلا من فلان، وبينهما بون يدركه من له الجنان، وليس ممن كان يعرف الحق بالرجال، بل ممن يضرب له في تلك المسالك الأمثال، أبو العباس سيدي أحمد، قرأ رحمه الله أولاً على أبي سالم الأيكراي، ثم على أبي سالم المحجوبي، ثم انتقل إلى فاس، وكان يجلس في أخريات الناس، و لم يعبأ به، حتى عرض في مجلس السؤال عن مؤلف (العتبية)، فقال المدرس: لعله ابن عتاب، فتكلم السوسي، فقال: يا سيدي مؤلف العتبية هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي، فلما رجع الشيخ وجلس على كرسي إقرائه، فقال: ادن مني، فنحى الطلبة حتى أجلسه حذاءه، ثم إن الشيخ كلما صور صورة خليل يقول له: هل هكذا؟ فإذا قال له: نعم جاز، وإن سكت أعاد التقرير، وعلى ذلك دأبه، فلما قضى نهمته، رجع فلزم داره لا يخرج لمسجد ولا لموسم ولا لسوق، بل يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان، يقضي بين الناس بالتحكيم ويُسأل من الأكابر فيجيب بنحو قال مالك، وقال ابن القاسم وقال فلان، يحكي قول الاسمعة، كأنه حضر لها.

والحاصل أنه فريد عصره، لا ثاني له في قطره، ولم يرو أنه أخذ طريقة أحد من الأشياخ، بل لزم الصلاة على النبي التي بقيت وظيفة من شب وشاخ إلى أن أتاه الحمام، وآذنه بالختام، فقيض الله إليه من مد يد العدوان، فأجلسه في منصة الغفران، وفاز هو بصفة الخسران، ولم يراع فيه حق العلم، وباء بغضب من الله بالظلم، ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جنهم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾، ﴿إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾، وذلك في رجب عام 1294ه‍.

المعسول · الصفحة ٧٥٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٧٥٣٢