(من قرأ الفاتحة في ركعة على غير ما هو مطلوب من سر أو جهر، ثم تذكر قبل أن يركع، وكان المسؤول من الطلبة، فوقف يتأمل كيف يجيب، وقد كان مسامتًا للأستاذ المترجم، فأشار إليه إشارة خفيفة بيده فيما بينه وبينه أن أجيبه بأنه يمضي قدمًا، فأجاب المسؤول بذلك، فراده الشيخ بما هو مشهور في المسألة بأن الواجب أن يرجع لإعادة الفاتحة على ما ينبغي سرًا أو جهرًا؛ لأن السر والجهر إنما يفوتان بالإنحناء، فدار الكلام بين الشيخ وبين الأستاذ، فأتى بالدردير، فإذا بالمسألة كما يقول الشيخ (1)، ولعل أمثال هذه المحاككة تعددت، فكان لذلك تأثيره الخاص في الأستاذ إزاء الشيخ، حتى ذكره بما ذكره به، و لا عصمة لأحد، ولا ريب أن مثل الأستاذ في ذكائه وحدة ذهنه، لا يطرق له بالعصا، ولا يقعقع له بالشنان، إلا أن للبشرية حظها في كل إنسان إنسان، فرضي الله عن الجميع.
كان الأستاذ حقيقة مولعًا بالقبول والرد، على سبيل المذاكرة والمباحثة، فكما أنه يجاذب من حضره، كذلك يجاذب الغائبين بقلمه، وقد اشتهر ما بينه وبين سيدي البشير الناصري في مسألة الهجرة، وقد وجه إليه الأستاذ سؤالاً في نفس المستدل، فبين أن الهجرة اليوم غير واجبة، وأن من كان من المدجنين لا يكفرون، فأجاب الأستاذ الكبير سيدي البشير بأنهم يوافقونه 327/13
328/13 على ذلك في جملة، ولكن الجواب أفرغ في قالب أدبي عالي النفس نثرًا ونظمًا –وقد ذكر ذلك في الجزء الرابع أثناء أخبار الهيبة ومربيه ربه، (والمدجنون المسلمون الساكنون تحت ذمة غير المسلمين)
(1) هذه المسألة تعددت المذاكرة فيها مرارًا، حتى عرفها كل الناس.