يظهر لي ممن أستقي منهم ترجمة المترجم، ومما رأيته له من الآثار أنه نسخة من أستاذه سيدي مسعود، فكانت له مشاركة حسنة في الفقه والنحو والتصوف، واستحضار حكايات الصالحين، واللهج بكتبهم، ويوجد من بين ما خطته يده كتاب (طبقات الحضيكي) ولا أدل على تتبعه لخطأ شيخه من هذه النظرة إلى تلك الجهة، ومن هذه الهمة إلى مثل تلك الآثار، فقد علمنا مقدار ما لشيخه من الاعتناء بهذه الناحية، ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾.
ثم لم يكن محيط معلوماته مقتصرًا على الفقه والفرائض والنحو، وما ذكرناه له فقط، بل رأيت له ما يدل على أن للأدب أيضًا جانبًا من نظراته، فقد وقفت في دفات كتبه على مقطعات جميلة رائعة يختارها فيعتني بنقلها مما يطالعه من الكتب، وهاك نماذج مما وقفت عليه بخط يده:
*يا منية النفس إن أعطيت منيتها *** وسؤلتي أن دنونا أو نأيناك
*إن بعتنا ببديل منذ لم أركم *** فما بشيء من الأشياء بعناك
*إن كنت لم تذكرينا حين فرقتنا *** فيشهد الله أني لست أنساك
ولآخر:
*إن كنت لست معي فالذكر منك معي *** يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري
*العين تفقد من تهوى وتبصره *** وناظر القلب لا يخلو من النظر
وللشافعي:
*سهرت أعين ونامت عيون *** لأمور تكون أولا تكون
*فادرأ الهم ما استطعت عن النفـ *** ـس فحملانها الهموم جنون
*إن ربا كفاك بالأمس ما كا *** ن سيكفيك في غد ما يكون
وللقاضي عبد الوهاب البغدادي –وكأنه أعجب بالأبيات لأنها توافق حاله – 246/13
247/13
*قالوا الفقيه فقلت الزور ما قالوا *** ليس الفقيه سوى من عنده المال
*كم من مسائل في صدري أحصلها *** بالدرس حفظًا وما في الجيب مثقال
*قالوا وفي العلم عز قلت ذاك بلا *** شك ولكنه في الفقر إذلال
*وعزة العلم ذل الفقر يذهبها *** كم من فقيه جليل ذله المال
*فصرت أطلبه والدهر يطلبني *** وطالب المال لا يبقى له بال
*وكل شيء له ضد يضادده *** وآفة العلم إهمال وإقلال
ولابن الحاجب: