بعدما جرى بيني وبينه فيها مذاكرات، أو بينه وبين غيري في حضرتي، ولا أعلم اليوم في سوس من يتعالى إلى سماوات البحوث العليا الحديثية والأصولية على ما هي عليه المباحث الأصولية الناصعة سواه، وسوى سيدي الحاج أحمد الجراري وسيدي محمد بن عثمان الأيكراري، وما وجد المترجم إلا بركة الرحلة، وهل تترقى العلوم وتحصل المعارف إلا برؤية العلماء؟
كان عازمًا ذا همة، ويظهر ذلك في تأثيره في تزنيت، فقد أحدث فيها دروسًا منظمة، وأنى بهذا الأستاذ لأرجو أن يمد هذه الحاضرة بمعارفه (1) والمترجم يبكر بعد الصبح من داره إلى المسجد، لا ترده صبارة البرد، كما أنه يراجع المدرسة أيضًا وسط النهار، ولا ترده كذلك حمارة القيظ، وذلك كله مع تطوقه بإدارة الأحباس دال على أن له من قوة العزيمة ما يمكن أن ينال بها النجوم، فبرحلته ارتقى فكره، وروقت خمره، وجليت مرآته، وسويت مرقاته، فإنني لأرجو منه أن يسد إزاء أخيه القاضي حفظه الله بابًا 239/13
240/13 كبيرًا في المعالي والفضائل، فإنه كتتمة لصنوه القاضي، يعرف هو من حال الوقت مالا يمكن لصنوه أن يعرفه، لأنه ليس من أبناء هذا الجليل، ولذلك تراه يحب أن يضع الأشياء في مواضعها وضعًا مناسبًا، حتى الكرم في الضيافة وفي غيرها، له في ذلك ما يعجب كل من جال، وعرف كيف الناس وما هو مع ذلك كله إلا حسنة من حسنات أخيه، حفظهما الله معًا، وأطلع بهما في تلك الحاضرة السوسية شموسًا مشرقة دائمة خالدة.
(1) صدق هذا الرجاء بتأسيس فرع المعهد الروداني في (تزنيت)