هذا وخفض هذا القاضي لجنابه وشهرته كل الشهرة بالنزاهة الفذة، جعلت له مكانة يغبطه عليها بها كل السوسيين قاطبة، وهو أهل لتلك الغبطة، وأجدر بها، وكثيرًا ما أقول للأزاغاريين لن تعرفوا قدر هذا القاضي ولا مكانته إلا متى عدمتموه، وأما أنتم اليوم وإن كنتم تثنون عليه فلم تعرفوه بعد
*لأعرفنك بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زودتني زادي
*وعند الممات تظهر التركات *** ولقد صدق من قال ذلك
ومن أبرز أخلاقه أيضًا التحمل الغريب، ويظهر هذا في مزاولته للقضاء حتى لم ير منه أي إنسان كلمة نافية، ولا يزال يفتح صدره، ويخفض جناحه للجاهل والمتكبر والظالم والغضبان، ولكل من جلس إليه من مختلف الطبقات، ثم لا يراه أحد مغتاظًا، وإن بلغ في نفسه الحرج والضيق ما بلغ، على أنه لا يوديه الأغضاء ولا التحمل حتى يذر الظالم يفوز بظلمه، بل لا يزال به حتى يزيل يده ما استطاع لذلك سبيلاً، بالتي هي أحسن، فإن لم يكن إلا الأخرى فإنه يرسله إلى مواطن أمثاله، وأخر الدواء الكي، كما يظهر أيضًا خلق التحمل الغريب الذي جبل عليه في أسرته، فإنها متركبة من كثيرين رجالاً ونساءً وصبيانًا وشبانًا، ربما يقطعون الحبائل، وينكثون العراء، ويتفلتون وراء الحدود، ولكنه مع كل ذلك لم يزل محافظًا على وصية والده في جمع كلمة الأسرة، فواظب على التحمل، وبذل النصيحة بلطف، ولعمري أن دارًا فيها زهاء أربعين نفسًا، غالبهم شبان يختمر في أدمغتهم ما يختمر، ونساء يسرعن بأدنى شيء إلى المشاكسة، لا يطيق إدارتها إلا مثل هذا التحمل العظيم الذي اختص به المترجم في هذه البلاد، فليعتبر هذا من يعرف أن داره لم تشتمل على حضريات وحضريين، لهم ولهن حظ من التهذيب، بل إنما هناك أبناء البداوة الجافية، التي لا يرد جماحها الأحياء، ما دام الحياء موجودًا، وهذا التحمل وحده ترجمة نيرة للقاضي حفظه الله، وبعدم ذكر أمثال هذه البواطن تنقص التراجم.
اعتناقه للطريقة الإلغية: