(حمدا لمن أجاز المحسنين عملا بالحسنى، فأباحهم دخول حضرته، ومنَّ عليهم بزيادة التحلي بنصرته، والتملي بنظرته، وهداهم لسلوك مجاز إدراك الحقائق ما بين إطناب وإيجاز وكانت قلوبهم أوعية الخير على الحقيقة والمجاز، والصلاة والسلام على ممد الأوائل والأواخر، والحائز من عظام الخلائق بين الخلائق على كل لسان خالقه أسمى المفاخر، والمبعوث من أشرف القبائل وأطيب العناصر، وعلى آله وأصحابه الذين انتصروا للدين فكانوا خير ناصر، صلاة وسلاما يدومان ما تشرفت بذكره وذكرهم المنابر، وعلى حملة شريعته الذين قرروا الشرائع والأحكام، وهجروا في تنقيح العلوم لذيذ المنام، وشهي الطعام، وتركوا أوطانهم، وفارقوا إخوانهم وقطانهم. وكان ممن سلك هذا المسلك رغبة في الانتظام في سلك العلماء، واعتناء باقتناء ما تتميز به النجباء والحكماء: الأخ في الله ومن الله، ولله نهواه، الفقيه الأواه، سيدي محمد بن الحاج الحسين، من (بني بوكرع) العبلاوي، فإنه صاحب وأحسن الصحبة، ونصب في اكتساب العلم فجعله للعين نصبة، حقق الله أمله، وتقبل عمله، حتى حصل في ذلك أوفر نصيب، وأسام سوام أفهامه من الأدب مرعى خصيب.
ولما أزمع الرحلة لبلده، وقوض خيام الغربة، وانحلت عرى جلده، وحب الوطن من الإيمان، وكانت الإجازة من قواعد هذا الشان، ومن الأمور التي يعتني بها الكامل من الإنسان، أجزته بما تجوز لي روايته، وتحقق لي درايته، من معقول ومنقول، وما لي من التقارير والنقول، مما أخذته عن أشياخ أعلام، وأفاضل عظام، على الشرط المقرر، والركن المحرر، من كلمة (لا أدري) في كل ما كان الشك إلى حقيقته يسري، فإنها لذي العلم جنة، ومن لم يتترس بها أصابته جنة. وأوصيه بالتقوى، فإنها السبب الأقوى، وأن ينزه العلم عن أدناس الأطماع، فالزهد في الدنيا لكل خير جماع، ويرحم الله العبدري إذ قال لولده:
قبيح أن اكون عصيت ربي *** وتقفوا إثر والدك العصي