تلك صحف أدبية، كانت قبل اليوم مطوية، فقدر لها أن تنشر، لتنشر بها صفحة حافلة بالظرف واللطف، من تلك الطبقة الممتازة في جيلها بسلامة الطوايا، وامتزاج الأفئدة، وأداء فن الأدب كل حقوقه موفورة، فيشارك الشيخ الإلغي المعروف منه الوقار، في المجاراة في الميدان، فأحيوا سنة المعافري ورماحه الثلاثة من ذلك المهفهف اللمتوني الذي لو كان منه رمح واحد لاتقاه، ولكنه رمح وثان وثالث ( (1) )، وردوا لطافة القاضي البلوطي المنذر بن سعيد وهو يمشي في موكبه ( (2) )، ونشروا فكاهة ابن حزم وابن عبد البر ( (3) )، ولا يصدق وصف الأدب الأعلى من لا يملك أريحيته أحياناً وقد خامرته اللطافة، وملك عليه الظرف قياده، فأداره كما كان يدير ابن 64/9
65/9 أبي عتيق عابد المدينة وأديبها وظريفها ( (4)
(1) ذكروا في ترجمة الإمام أبي بكر بن العربي المعافري أنه قال في غلام لمتوني:
يهددني بالرمح ظبي مهفهف *** لعوب بالباب البريئة عابث
فلو كان رمح واحد لاتقيته *** ولكنه رمح وثان وثالث
ولعله أراد بالرمح الأول الآلة الحربية المعروفة، وبالثاني قامة مهدده، وبالثالث عينيه، وتشبيه القدود بالرماح والأغصان والعيون بالسيوف والنصال مشهور في الأدب العربي. .
(2) كان هذا القاضي يمشي في موكبه القضائي المتكون من جماعة القضاة فصادفوا جِرواً وأمه فقال بعضهم أنه بلوطي أي سمين فقال القاضي لعله ابن جماعة. .
(3) أنشد الإمام ابن حزم لابن عبد البر في حكاية:
وذي عذل فيمن سباني حسنه *** يطيل ملامي في الهوى ويقول
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره *** ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له أسرفت في اللوم ظالما *** وعندي عذر لو أردت طويل
ألم تراني ظاهري وإنني *** على ما بدا حتى يقوم دليل. .
(4) قيل إنه سمع قول الشاعر:
باتا بأنعم ليلة حتى بدا *** صبح تلوح كالأغر الأشقر
فتلازما عند الوداع صبابة *** أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر
فاهتبل بهما حتى إن قاضي المدينة أبو السائب المخزومي سلم عليه فلم يجب إلا بهما في حكاية لطيفة. .