60/9 أنواره، أما بعد، فلما اتصل بهذا الفقير، المقر على نفسه بالعجز والتقصير الحكم الذي أبرمه الألمعي، ذو الفهم الثاقب اللوذعي، المفترع صهوة العلوم، المدرك حقائق المنطوق والمفهوم، سيدي العربي بن محمد الساموكني أعلى الله قدره، وأطار صيته وذكره، سرح في معانيه المتقنة، ومبانيه المحكمة، فكره القاصر، ونظره الفاتر، فإذا هو والله ذهب محض، لم يغادر من نفل ولا فرض، فأعترف لمبتكره بالعلم والتحرير، ولنفسي بالعجز والتقصير، ولقد حق لهذه النصوص، التي هي أحسن من الفصوص، وأتقن من البنيان المرصوص، أن يورد فيها المثل السائر، وأن يذاع لها قول الشاعر: كم ترك الأول للآخر، وافق شن طبقة، والحدا بندقة، ومن لم يكن هكذا فليس بالسيد، فلله دره من جهبذ وقاد، وعالم نقاد، كثر الله مثله في الناس، ولا رمي في دنياه ولا آخراه بباس ولقد وفق بين النقول أي توفيق، وحقق أي تحقيق، تتبع أقصى أدواء القضية فشفاها، وهز القناة فسقاها ورواها، فما ولد الأبكار ولا العوان مثله، يبر فلا أرض يجف بمد بحره ثراها، لم يغادر في النازلة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا شاذة ولا فاذة إلا تتبعها ورعاها، ولقد أتى من النصوص المهذبة، والعبارات المستعذبة، بما لا مزيد عليه، ولا سكون لأحد إلا عليه، ولقد أتقن النظر ودقق، وبالغ في التحرير وحقق، حتى أنه لم يترك مقالا لقائل، ولا مرمى لرام ولا نابل.
إذا قال لم يترك مقالا لقائل *** بمتضحات لا يرى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع *** لذي إربة في القول جداً ولا هزلا