تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك ناحية افترق فيها مع رفيقه الشاعر الإفراني، وهي كثرة الاحتمال، والبعد عن التأثر بالعوارض البشرية التي لا بد منها، قال الشاعر أفسح رقعة، وأوسع صدراً، وأكثر غضاً للطرف، وأعلى مسامحة، بخلاف العربي، فإنه وإن كان لا يخلو من طرف طرف من كل ذلك، فقد ينطلق أحياناً من العقال. ويزور جانبه بتوهمه ما لم يكن، فإذا بزمام إرادته يفلت من يده، فلو كان الأستاذ الشاعر الإفراني مثله، لافترق ما بينهما من زمن بعيد، غير أنه لا يزال يرقيه بقوافيه، ويلاينه بأدبه الغض، حتى يمسح ما يلم بصدره، وسترى من آثار هذا كثيرا فيما سيأتي، فإن كان صاحبه الذي يجله أكبر إجلال يلاقي منه العنت، فكيف ترى غيره من عرض الناس، فلذلك سرعان ما انقلبت سحنته، وفارت غضبته على عامي في الإيغشانية، فينادي الطلبة فيمدونه للجلد، حتى ليلعن هذا العامي المدرسة ومن فيها، ويلعن العلوم وأصحابها، بل تجاوز هذا إلى العلماء وقد مد للجلد يوماً في المدرسة البوزاكارنية الفقيه سيدي أحمد من آل ابن سالم، وهو شيخ مسن، فاختلفت عليه الأسواط وهو يقول له: أطلقني يا صبي، أطلقني يا صبي، ولهذا الخلق الذي يخطر في الأستاذ كان يصطدم أحياناً ومن لا يستحي منه، فيقاومه، وقد قاومه بعض المجاطيين في ( أنامرايتريون ) كما طعنه بعض الناس في البوزاكارنية، فأين كل هذا من خلق رفيقه الشاعر الإفراني الوديع الهين اللين، كأنه مخلوق من اللطافة، فلا يخطر منه هذا الخلق ولو تَوهُّماً.

ذلك، ولا يفهمن القارئ من هذا أن الأستاذ العربي إنسان شرس، فكلا وألف كلا، بل الغالب عليه الأريحية والمفاكهة، وسلامة الصدر، وإنما يهيجه من لا يعرف كيف يخالق أمثاله، فيفلت زمامه من يده أحياناً، فيصدر منه ما يكون هو أول من يستغفر منه، ومن كان عاقلاً فليسامح 49/9

المعسول · الصفحة ٦٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٦٥٤٢