ثم لا يحسبن القراء إننا نشيد بكل ما في هذا الكتاب من منظوم ومنثور، فلسنا والحمد لله من أهل الغباوة حتى نحسب الجمرة تمرة والقضة (1) فضة، وإنما كل مقصودنا أن يدرك القارئ بتمهل أن ما في هذا لكتاب صدر عن أناس شلحيين، تربوا في غير العربية، ثم لا يتصل سلك أحدهم بالعربية إلا بعد جهد جاهد، فإن أحدهم لا يزال يتخطى من الأجرومية فالتي تتلوها من الكتب المدرسية شيئا فشئيا، وهو يأخذ من القواعد العربية بلسان أبويه، ثم لا يزال يتعالى إلى العربية فتتسرب إليه قليلا قليلا بمقدار ضئيل، حتى يتأتى له بكثرة المزاولة وشدة الإمعان، وبطول الحرص أن يسلس له قياد تلك اللغة، وأن لا تحجب ألفاظها المعاني التي تقمصتها، ثم إن كان قدر له أن يكون كأحد هؤلاء الأدباء المذكورين في هذا الكتاب. فأنه يسير قدما يواصل الإسناد بالتأويب، ولا يفتأ عن سير الميقاب (2) حتى يتبحبح اللحج، ويسبح في العباب، وثم لا يقنعه إلا أن يتسربل شملة عربية، ويستلئم فكرة
20/ 282
مضرية، وأن يتصور أنه من جبلي نعمان فيستخلص إليه نسميه، أو أنه أحد بني عذرة فيتهالك على نفسه هياما إن توهم أنه سنحت له إحدى الحسان، أو إنه عنترة العبسي فيلحظ جلده كأنه خافية الغراب، ويرفع عقيرته وقد أغلظ من صوته فينشد كما يحسب أن عنترة ينشد كذلك.
ولقد شفي نفسي وأبرا سقمها قيل الفوارس ويك عنترة أقدم أو أنه أبو نواس فيغازل الكاس والطاس، ويثأثي بالسين إن جرى على لسانه ذكر محبوبه عباس (3) أو أنه ابن زيدون في أكنف الزهراء وهو يراسل ولادة بقواف رقيقة، ومعان تفعل بالألباب ما تفعل الخمر
(1) القضة: الحصاة.
(2) الاسناذ: سير الليل، كله والتأويب: سير النهار كله، وسير الميقاب السير في الليل والنهار معا بلا نزول.
(3) قال ابو نواس فيما اسمه عباس: وشادت سال عن اسمه، فقاللي باللثغ عباث.
فصرت من لثغته الثغا فقلت اين الكلث والطاث؟