ينشأ الفاسي في بيئة تتكلم اللغة العربية الدارجة، يسمعها من أبويه ومن الخدم، ومن أقرانه في ملاعب الأزقة، ثم إذا دخل مكتب القرآن يجد في كتاب الله لفظا لا يغيب منها عن فهمه إلا بعض الكلمات لا تستعمل في بيئته، ثم لا يكاد يدرك التمييز حتى ترى والده يصاحبه إلى مجالس العلم خصوصا، بين العشاءين (1) وإلى المساجد حيث يحضر خطب الجمعة، فيمكن له أن يفهم ولو تفهما بسيطا ما يقوله الأستاذ في مجلس علمه، والخطيب في خطبته إذا كان والده عاميا، وأما إن كان الوالد أحد العلماء، فإن الولد يسمع أيضا في وسط الدار العربية الفصحى من بعض العلماء، الزائرين لأبيه، في أثناء المذكرات مما لابد أن يفهم منه القليل أن لم يفهم الكثير، ثم إذا جمع القرآن أو كاد يدفع به إلى تعلم أسس العربية الفصحى، فسرعان ما يتذوقها، فلا تمضي عليه إلا شهور، حتى يعرف مواقع الكلام العربي المرتب بمرفوعات ومنصوباته ومخفوضاته، ثم لا يقطع إلا شوطا أو شوطين حتى ترى كمه يتفتح عن الزهرة، التي تتبعها الثمرة وشيكا.
هكذا يكون ابن فاس الذي ينشأ في بيئة عربية علمية، فلا يمضي عليه في تلقى العلوم إلا قليل حتى يظهر بفطنة وذلاقة وفهم مكين، قبل أن يمضي عليه أحيانا حتى سنة.
وأما الشلحي البربري القح الذي يحيى في مثل جبال (2) جزولة الذي
20/ 280
(1) هذا وصف لاهل فاس في الجيل الماضي حين تحتفل بمجالس العلم بين العشاءين كما كانت عليه كل الحواضر إذ ذاك.
(2) هذه الجبال لا عربي فيها، وانما تسكن القبائل العربية، هوارة واولاد يحيا والمنابهة، فيما حوالي تارودانت في السهول، والاد جراز حوالي تزنيت لم تزدهر العلوم بالدراسة منذ قرون الا في الجبال جرزولة حتى ان اب زيد الجشتيمي قال لا يكون قضاة او عدولا في تارودانت الامن قبيلة املن من جزولة، يعني ان ذلك كثير لا إنه لا يقع الا ذلك.