الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا حتى يروا عنده آثار إحسان ومن تمام عقله، أن اختار لمجاورته ووزعته الحراطين إذ لا غرض لهم في رتبة السلاطين، لا يأنفون إذا ضربوا، ولا يعصون متى استصحبوا منهم الحراثون، والغسالون والجزارون، ومنهم القلم والأبارون (1) وفي عراض (2) المواكب يسيرون، يصلحون للخدمة، ولا آنفة عندهم ولا حرمة، يرضون بالدون، ويحفون بالزبون، أمن منهم من الأعراض، وفقد منهم الامتعاض ويتبعون من مخدومهم الأغراض، بأندى أمر ينقادون، ولحزبه يتحاشدون، لا يطمعون في الأمرة (3) ولا يلتفون في خدمتهم للأجرة، وكفاهم ذلك فخرا (4) إذ غنموا بالتواضع أجرا، وهم أيضا أخوان أفضل النبييين وأجل المرسلين ومن أختهم هاجر حليلة إبراهيم الخليل، وأم إسماعيل النبيل الجليل، ولهم المرتبة العليا، وأن كانوا ظاهرا وفي السفلى، وأن انحط قدرهم من جهة حام، بعصيانه دعوة آدم عليه السلام، فلهم المزية من الجهة الأخرى وفاقت هذه اليمنى تلك اليسرى، فتوجه إليها الواحد بالشخص، والتفضيل بالتحميص والفحص.
20/ 268
إلى هنا جرى بنا خيل الكلام *** فتعف مولانا علينا والسلام
توفي رحمه الله في أواخر جمادى الثانية عام 1336هـ بداره، المسمى بلده بأكرض، بتمنرت، بلدة الولي الصالح، والخبير الرابح، سيدي محمد بن إبراهيم الشيخ المتوفي في صفر عام 971هـ.
(1) القلم: يقصد به الذين يقلمون الاشجار، ويشذبونها، والابارون: الذين يابرون النخل أي يصلحونه ويلقحونه.
(2) كذا، ولعله يريد عرض بضم فسكون، أي جانب المواكب الخ.
(3) الامرة: الامارة والحكم.
(4) مستحملة: يحكي ان حرطانيا من الحراطين هؤلاء سافر الى جزولة، فسئل من هو؟ فقال انني صهر صاحب ابن عم خماس القائد، فاكتسب الشرف هكذا حتى صار يتباهي به، وهذا مصداق ما قاله مؤرخنا الاكراراي الاديب الاريحي رحمه الله.