فوصلوا المدني وهو يسوق حمارة هزيلة حمل عليها أصعا من شعير نفحه بها القائد بوهيا، قال: فحين وصلناه استنكف رفقائي من الوقوف عليه، والمحادثة معه، فأشفقت عليه أنا، فسلمت عليه، وحادثته وقد مرت رفقتي، فرأيت الرجل في مشقة من حمارته الهزيلة، وقد أعيت بتلك الأصع من الشعير، فمددت إليه مخلاة رمكتب فملاه فعلقته في قربوس سرجي تخفيفا عن الحمارة، ثم ناولته نعلي لينتعلها، لأنني رأيت مقدم إحدى رجليه تدمي، وقد كان حذاؤه مقطعا متمزقا، فأصيبت أصابع إحدى رجليه فتسيل دما، وقد كان في لباس خلق أسود، وعلى رأسه قطعة ملفقة من خرق شتى، وحين رأى مني الشفقة عليه، قال: بالله عليك لا تتجاوزني حتى نصل قرية" بوزاكان" فرفقت به وبحمارته، فصار يشكو إلي بالزمان وبما لاقاه من الإقلال، فصرت أعزيه، وأكشف عنه مراراة ما فيه، حتى حادينا قريته، فأفرغت له شعيره فودعته وهو يشكرني شكرا جما، قال: إنني ما رفقت عليه إلا من أجل عرفاني لأسرته ولأبيه.
20/ 180
ثم إن هذا الفقير المملق السائق لهذه الحمارة الهزيلة، والذي كان يفرح بلا ريب بتلك الأصع من الشعير، هو الذي أصبح بعد زمان القائد المدني الشهير الذي ترتعد الفرائص من ذكره، وتزخر المخازن بأمواله، وتحني له الرءوس إجلالا وهيبة، وسبحان مقلب الأحوال، فقد وقف في وجه الاستعمار جبلا راسخا نحو ربع قرن.
ثم إنه ينبغي لنا قبل أن نتمشى في حياته أن نذكر هؤلاء أولا عدوه الألد القائد بوهيا الإخصاصي، ثم نتفرغ لذكره هو.
قيادة الإخصاص قبل المدني: