98/18 كان يعرفني قبل اليوم، ثم لم يجر لسانه قط بذكر اسمي، ومثل هذا ككثير من أحواله مما يدل على أنه ذو صدر رحب يصلح للأسرار، ولا ريب أن هذا ومثله ما يجعل المكلفين بالأمور ممن يأوي إليهم يطلقون في أيديه كل إدارات الشئون الكتابية وما إليها، فإن إدارة ( تالعينت ) الكتابية كانت في يده، يبرم وينقض ويستدعي ويجيب، ويعرف ما يستدعيه مقام كل واحد، وهو سريع الكتابة، نقي العبارة، كان عمل يديه يستمد من بشاشة وجهه المرونق وهو ذو اللحية الكثة السوداء المستديرة التي تأخذ بالأبصار زيادة على هيأة لباسه الأبيض المتوسط، وهو مائل إلى القصر، ضحوك السن، لا يتكلم إلا مع التبسم، يغلب عليه الانبساط، وكل هذا أدركته منه حين جالسته مراراً، وذكر لي أنه غير كلف بالتأثيل، وأن كل ما يحتاج إليه يأتيه من عند مخدوميه، وله عند الشيخ عبد الله ابن القائد عياد مكانة ما فوقها مكانة، ولا سيما بعد أن رماه مرة خطأ في طلب صيد فجرحه، فإنه ازداد مكانة على مكانة، وقد كتبت إليه بعد ما فارقته في ( تالعينت ) أن يوافيني بكل ما عنده حول ذلك الثائر، وقد اقترحت عليه أنن يجمع ذلك كمؤلف، يودع فيه كل ما ذكر أنه عنده من رسائل وقصائد ومقيدات تواريخ حول الوقائع، ولعله يجيبني فأكون له دائماً من الشاكرين. ( ثم إنني كتبت عنه ما يتعلق بذلك في ترجمة الثائر، فكان يملي وأنا أجمع، فجمعت أنا بقلمي كل ما عنده ).
أما علمه فإنه يظهر منه التوسط فيه، إلا أن له في الأدب الجراري الرائج هناك اليوم قصائد كثيرة، انتسجت منها البعض فلننتق مما عندنا ما يحلو لي في الاذواق، ويحلى في أعين الأدباء.
قال يمدح رب نعمته الشيخ عبد الله ابن القائد عياد من قصيدة مطلعها:
* إذا شئت أن تحظى بكل المحامد * وتنجح في الدنيا بكل المقاصد *
يقول في مديحها يصفه:
* مقلد سيف المجد قبل بلوغه * نفور عن الأنذال خدن الأماجد *