وحدث مرة أن لتاجر دعوى بمحكمة القاضي سيدي موسى، فرفعها إلى مجلس علماء الشورى، وكان سيدي أحمد بن المصلوت هذا أبرزهم، فجاءه صاحب الدعوى بقطعة من الملف النفيس، تسع برنوسا أو جبة، فقال له كم ثمنها ؟ فقال التاجر إنها هدية فقال له يمكن أن تكون هدية لو لم تكن لك دعوى، فقال التاجر إنها هدية لا رشوة، ثم أقسم لا آخذها ولا آخذ ثمنها، فأخذها منه المترجم وسكت، فبينما التاجر ذات يوم في حانوته، إذا به يقف عليه وقطعة الملف في يده، فسلم وجلس على عتبه الحانوت، ثم قال له قد أسعفتك بإبقاء هذا الثوب عندي حين حلفت تلك اليمين، حين لم يظهر بعد وجه الحكم في قضيتك، أما الآن وقد ظهر لي أن الحكم سيكون عليك لا لك، فلا يحل لي إسعافك بأخذ هديتك، لأن الإنسان لا يهدي لمن يحكم عليه، فخذ ثوبك وكفر عن يمينك، ثم قام وتركه.
وقد زرته مرة لما تولى القضاء بـ ( أكادير ) فلما وصله وقت الخروج إلى المحكمه تركني في البيت، ووضع لي كتباً في الفقه، وقال: راجع مسألة كذا، ولخص لي كتابة ما قيل فيها، فاستعظمت ثقته بي في إبقائي في بيته وفيما كلفني به، فأردت مباسطته، فقلت له: أمثلك يحتاج إلى مراجعة مثل هذه المسألة ؟ فقال رحمه الله: لأن أراجعها خير من أن يسألني الله عنها، فأقول له قد حكمت بما ظننت وتكاسلت عن المراجعة فإذا طوقك الله بأمور العباد فلا تتهاون في التثبت، فإن التهاون فيه مزلة الأقدام.
وقرر رحمه الله ذات يوم مسألة عويصة، وأراد أن يتجاوزها حرصاً 54/18
55/18 على عدم تضييع الوقت، فاستعدته إياها، فقال لي راجعها في بيتك فإنك ستفهمها، وإذا حدث أن صدرك زمانك فإنك ستفهمها بالرغم منك لقد كان يقع لي مثل هذا مع شيخي الصوابي فكان يقول لي: مر يا سيدي أحمد أعراب - وكذلك كان يسميه في ( أيت صواب ) الطلبة الشلحيون لأنه هواري - فستفهمها إن شاء الله إذا صدرك زمانك، وكذلك كان ولله الحمد.