تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما زهده وتوقفه فشيء غريب بالنسبة لقضاة العصر، إذ لا يتصور أحد أن يتوصل عنده بالبراطيل، إلى تحقيق الأباطيل، وحاشاه من ذلك، وقد حدثني القائد سعيد التيكزريني نزيل ( تمانار ) التامري الأصل أن هذا المترجم لما أصيب بمرضه المعلوم، وأشار عليه أطباء ( السويره ) بالذهاب إلى مصحه الدكتور دوبوا روكبير بـ ( الرباط ) احتاج إلى عشرين ألف فرنك للتداوي، فأعوزته، فطلب من القائد هذا أن يقرضه إياها، قال فقلت له أتكون قاضياً نحو خمس عشرة سنة، ثم يعوزك مثل هذا المبلغ القليل، وكان القائد يحكي ذلك متعجبا، ولو كان في مسلاخ القاضي وفي همته وفي عزوفه وتقواه ما تعجب من ذلك.

وكان في فهمه رحمه الله بعض ثقل، ولذلك يبطئ كثيراً في فصل الدعاوى حتى ينال المحق عناء كثير، وما ذلك إلا من كثرة تحريه في تفهم الدعاوى من جميع وجوهها، حتى إنني أقول مداعبة لأخيه سيدي الرشيد السريع الفهم: أحب الصلاة وراء أخيك ورفع دعواى عندك، وإنما لا أحب أن أرفع إليه دعوى تعرض لي لئلا يماطل في فصلها، لكثرة بطئه في إصدار الأحكام حتى صارت إيالة قضائه تكثر الشكوى منن هذا البطء من غير أن يتهمه أحد في العدل.

وما همته في ازدياد العلم، فيكفيك أنه ما ترك قط المدارسة في الفنون. وذلك على طريقتين، فيدرس مع الطلبة متى وجدهم، ويتتبع مع نفسه أنصبته خاصة في المختصر وفي غيره من حديث وتفسير، لا يغب ذلك كلما وجد إليه سبيلا.

وكان إلى جانب كل ذلك من الذاكرين الله كثيراً، تلقن الطريقة الأحمدية عن حسن نية، فكان من محاسنها، لا يتطاول إلى التصدد، ولا إلى الفخفخة بما تحتوي عليه من فضائل وفواضل، وخير كثير عدد الأنفاس، وذلك لإدراكه اللب، ولم يكن في ذلك إلا ابن ابيه الذي قرأت ترجمته ذرية بعضها من بعض.

المعسول · الصفحة ٥٥٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٥٥٢٠