وكان أستاذنا في هذا الوقت مقلا، وربما عشى الطلبة بحسوات من ملتوت السويق، والطلبة مكبون لا يبالون بالرفاهية ولا بالسغب، وأوقات اليوم كله معمورة، وقد صادفت هناك سنة جدب، فكنت وإن كانت معي دراهم كثيرة في هميان تمنطقت به، منصرف الهمة عن استزادة ما لا يتناوله الطلبة وكان الأستاذ إذا استثقلت المضاجع ( (1) ) بالطلبة، وهجع كل من في المدرسة، يقوم متهجداً وربما نسمع أحياناً نشيج بكائه إن غلب عليه الخشوع، لازمته سبع سنوات ختمت فيها المختصر ثلاث مرات والتلخيص والمنهج وتكميله، وجمع الجوامع والتسهيل، فضلا عن الألفية والتحفة والمقامات والهَمْزية والبردة وفرائض 44/18
45/18 الرسموكي، وكل ما يتعاطى هناك كالبخاري والتفسير، وكنا في جد لا نظير له.
كنت حدثت أن الطلبة إذ ذاك لكثرة حرصهم على الاجتهاد كانوا قبل أن أجئ اتفقوا على أن لا يشتغل أي واحد منهم بالعامة يوم سوق يتسوقها الناس حول المدرسة، فانكف الطلبة كلهم سواي، فداعاني الطلبة إلى الأستاذ، فاعتذرت بأنني فقير لا يرد علىَّ من بلدي البعيد ما يقوم به أودي.
فكنت أستفيد من هؤلاء العامة في كل يوم سوق ما أسد به رمقي طول الأسبوع، فلم أزل أدافع عن مخالفتي لقانون الطلبة حتى حججتهم ببراهيني.
ومن أحواله رحمه الله المنافحة والموافقة دون ما يعتقده، ولا أزال أذكر أننا بتنا ليلة في ( رودانة ) وحضر معنا علماء المدينة وقاضيها سيدي موسى في مباحثة أصلية حول آية من القرآن، أثيرت في إحدى مجالسنا معهم هناك، فصمد وحده من بين كل الحاضرين للمباحثة معي، بلسان ذلق، وبرهنة عالم خنذيذ، ثم تفرقنا إذ ذاك ولم نستتم البحث إلا بعد سنوات حين كان قاضياً في مركز ( تمانار ) بحاجة، فقد راجع المسألة وقتلها بحثاً هكذا هو رحمه الله ورضي عنه.
(1) من قول عبد الله بن رواحة:
* وفينا رسول الله يتلو كتابه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع *