تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن الله ابتلاه بمرض الآذان، فكانت أذنه ترشح بما تكون له رائحة لا تُطاق، وقد لازمته هذه العلة إلى أن مات معها، وكان ذا إرادة قوية فعالة، فلا يرحم ولا ينقطع الجلد أمامه في أصحابه أو الذين يساقون إليه، بأدنى مناسبة بل في يوم قعد في نافذة تطل على الطريق، فيمر الناس وهم لا يرونه، فكل من مر يرسل الأعوان، فيردونه للجلد بِحجة أنه لم يبندق -لَم يحي برأسه- إلى جهة النافذة، ومن ذلك اليوم صار كل من مر هناك يحيي النافذة، حتى في الوقت الذي يغيب فيه القائد عن داره إلى (أكادير) ويا ويل من نسي ذلك.

وكان إذا ركب إلى (أكادير) أو رجع منه يصطف الرجال والخيل حفافي الطريق من بعيد، فيركب هو ويسير مع قليل من حاشيته في الوسط، وعلى هذا يذهب ويجيء، والخيل: رأس هذا إلى ذنب هذا وقت السير، ثم لَما كانت السيارة حين كان يركبها صار يذهب، ويجيء فيها بتؤدة، وتجري الخيل أغذاذًا حواليها على هذه الوتيرة، فكم فرس انفطر قلبه بالجري، ثم زيادة على ذلك يوجد حرس آخر، يقفون فينة بعد فينة يَمينًا وشِمالاً وهذا كله خوف أن يغتاله مغتال أثناء السير.

وكان خفيف النوم ضيق الصدر عصبيًا، لا يزال غضبان متجهمًا عبوسًا، وقل ما يرى من وجهه استبشار، وله زوجتان وإماء للفراش، ولا يزال الجلد في الدار بأدنى سبب في حاشيته، وفي أسرته وفي هؤلاء الطباخات، وعادته في كل صباح أن يأتي عبد، فيغسله أصحابه أمامه غسل الفرس ظهرًا وبطنًا ومغابن، بعد نزع لباسه، ثم يلبس بعد غسله أمامه لباسًا يهيئ من عنده، ثم يؤتى بكبش يذبحه العبد أمام عينيه وهو ينظر، ثم يعاد ذلك كل يوم صيفًا أو شتاءً، وذلك كله خوف أن يصطحب العبد معه سمًا تحت مغابنه فيدسه في اللحم، وإذا أتى بفاكهة يؤتى بها من عرض محلات الفواكه، ثم لا يزال بنفسه يتحرى أن لا ينتقي إلا ما يبعد عن ملامسة

[ 14 / 189 ]

المعسول · الصفحة ٤٧٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٤٧٣١