كان كما رأى القارئ بين يدي والد انخرط في هذه الطريقة الألغية انخراط أمثاله الذين يريدون ربحًا بلا عمل، يقنعون برشاشات من ذلك البحر الخضم، فكان المترجم بادئ ذي بدء كذلك على هذا الغرار، إلا أن الصدق العظيم الذي كان يقابل به الشيخ فتح له الأبواب على مصراعيها، فكان في بدايته من الرؤساء المحبين فقط، ثم انتهى به الأمر حتى صار من كبار العارفين، وهذه طريقة المحبة، فمن افتتح عهده فيها بالمحبة، فجدير أن ينتهي فيها بمعرفة ربه، ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، وقد كان الشيخ يعاتبه ويؤاخذه بكل ما فعل، وقد قال له مرة: إننا كلما تركناك في دائرة نجدك قفزت إلى ما وراءها، فلا تحصرك الحواجز، وقد كان يتسابق في الارتواء من معين أهل الله هو والحاج الحسن الكيلولي، فكان هو [ 14 / 162 ] الذي حاز قصب السبق، وأما الآخر فإنما يدفعه إلى ذلك الفقير أبو جمعة البوعشراوي صديقه الحميم، وكان من الفانين في الشيخ، وقد عرفنا الجميع وجالسناهم ورأيناهم في الشدة والرخاء، فكان المترجم هو وحده الفائز بالكنز، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء حدثني سيدي مولود: أنه رأى الشيخ في المنام، وأمامه المترجم مطرقًا متأدبًا، فقال الشيخ كيف يفرط الإنسان في مثل هذا المريد المتأدب.
وحدثني أيضًا من أثق به أنه قال مرة للفقراء وهم عنده: يا سادتي إن كل ما في هذه الدار ما هو إلا للشيخ ولأهل الله، فلو ذهبوا به كله لطبت نفسًا، وانشرحت صدرًا، وحين جلا عن داره، وأنف من أن ينقاد لحكم الاستعمار قال: عجبًا، كان الشيخ يقول لي أخيرًا: إن خيرًا كثيرًا سيجيئكم، وكنت أظنه رياسة وأموالاً، فإذا بالخير هو هذا الذي نسبح فيه الآن من أنوار القلوب، والحمد لله والحمد لله والحمد لله، والمنة لله وحده، هكذا جرب المترجم، فكان كما قيل:
ألقني في لظى فإن أحرقتني ... فتيقن أن لست بالياقوت