[ 14 / 127 ] ما يختاره لنا الشيخ، فهو الذي شغلني في هذا من أول يوم، ولو أمرني بالتجرد والانقطاع لما تأخرت، وهو الذي يعرف ما يصلح لكل واحد منا، فنحن لا يستمر معنانا(1) إلا بهذا، وأنتم كذلك لن تثمروا إلا بما أنتم فيه من الانقطاع، فقد قيل: لا يصلح للتربية من المشائخ إلا من أعطاه الله فراسة تامة يُدرك بها كيف يصلح حال أي مريد من مريديه، فيسلكه به المسلك الخاص به، وإلا فلو حاول الانقطاع ممن لم يخلق للانقطاع لأهلكه وأفسده، بدل أن يصلحه، وكذلك العكس، قال الحاكي: فعلمت مقامه وسلمت له أمره، ثم لما توفي الشيخ وأقبلنا على ما لا بد منه من الأولاد والتكسب، اعترانا ذهول لم يكن يعتري مثل سيدي مبارك الذي كان إذ ذاك مبتلى بالأولاد وبالتكسب، بل وبالتلاميذ وهم أشغل الأشياء للقلب عن الله، وقديمًا قال الشافعي: لو اشتغل قلبي بشراء بصلة ما حصلت شيئًا، أو كما قال.
وحكى لي آخر أنه كان جلس معه يومًا عشية في الزاوية، فتفاوضا في كرامات الشيخ، فقال له المترجم: لو كنت أحدثك بما رأيته منه من هذا الوقت إلى الصباح لم أذكر عشره، وكان جالسه عند العصر، إلا أن أعظم الكرامات للشيخ فينا هو انتشالنا من الغفلة التي كنا نسدر في غلوائها، ثم توجيهنا هذا التوجيه الذي نطلب الله أن نموت عليه مقبلين غير مدبرين، ومن دلك على العمل فقد اتبعك، ومن دلك على الاتكال وحده بلا عمل فقد غشك، ومن دلك على الله ثم جمع همتك إليه، فهو الذي نصحك غاية النصح، ثم أنشد قول ربيعة العدوية:
كلهم يعبدون من خوف نار ... ويرون النجاة حظًا جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيضحوا ... في رياض ويشربوا سلسبيلا
ليس لي في الجنان والنار رأي ... أنا لا أبتغي بحبي بديلا
(1) عبارة صوفية، والمراد عندهم بالمعنى حال الفقير وسره.