وقد وقعت لي معه مرة لطيفة تدل على مكاشفته، وذلك أننا أخذنا عنه أثناء الدروس في (الرسالة): أن المُسَلّم أعظم أجرًا من الراد للسلام، فقلت لمن معي: ألهذا كان الأستاذ دائمًا سباقًا إلى السلام كلما صادفنا في مكان، فأنا من هذا اليوم لا أتركه يسبقني، فأفوز بخصلة السبق، كان ذلك منا حيث لا يسمعنا الأستاذ، ثم لا يمكن أن يخبره بجريان هذا بيننا، لاحترامه ولانزوائه عن محادثة الطلبة، وفي سحر يوم في الظلام في المتوضأ، وأنا وحدي وأنا أريد أن أسكب ماء الوضوء من أنبوب الماء السخين، فأحسست بداخل ثم وقف علي، فبادرني بالسلام، ثم قال مبتسمًا: ها أنذا سبقتك هذه المرة، ثم إنني قلما صنعت له شيئًا من الخدمةإلا والى لي دعوات صالحة، وكان كثيرًا ما يقول لي: أعطاك الله ولاية جدك أبي سالم، وعلم والدك سيدي أحمد أضارضور، ثم إننا هناك مع اجتهادنا نشتغل في شببة متقاربين بما يشتغل به أمثالنا، فنعلن الجلبة، فكان يصبر لنا كثيرًا، ثم لم أزل رابضًا عنده أرتشف من مراشفه حتى دخلت سنة 1305ه.
في المدرسة (الأدوزية):
قال: كنا كثيرًا ما نسمع ونحن في (بونعمان) عن دروس الأستاذ سيدي محمد بن العربي الأدوزي، وكانت الأخبار المنقولة عنه تستفزنا دائمًا إلى أن نكون منها من الواردين، فحين بلغت من المدرسة (البونعمانية) ما بلغت، تطلعت نفسي إلى أن أقتبس من هناك ما قدر لي ثانيًا، فألقيت هناك المرساة، فوجدت حقيقة هنالك دروسًا أخرى متفننة، وأبحاثًا علية قيمة نفيسة، فكنا نأخذ مع الفقه والعربية: الأصول من (جمع الجوامع)، والبيان من (التلخيص)، والتفسير والحديث، وكان الأستاذ يمعن دائمًا بالبحوث في هذه الفنون، ويدرس جميع ما يدرس بتأن وتؤدة، موردًا كل ما وجده، فكان ذلك لنا خير صيقل للأفكار، وأعظم مفجر للقرائح، فلم نزل على ذلك حتى سنة 1311ه، فإذا ذاك انقضى زمن الأخذ.
هكذا كانت معارفه وكلها مأخوذة عن هذين الأستاذين فقط: سيدي 371/13