كذلك طويت صفحة مؤرخ أزاغار الكبير، والذي أثار بقلمه عاطفة هوجاء بين من لا ينصفون، فها هو قد ذهب، فليمض على سدرهم من كانوا يتوقعون أن يسبقوه، فيقعون من قلمه على مبضع يتناولهم فوق مشرحة لا يظنون فيها رحمة ولا شفقة.
*فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى *** تهيأ لأخرى مثلها فكان قد
إنني وأيم الحق متأثر غاية التأثر من موته، لأنه كان طبقة وحده، نشأ ذا فكر، وكجبل علم لا يتزعزع لجديد أيا كان، وكأني بأقرانه تتابعوا، فيبقى الميدان خاليًا لمن لا يغني غناءهم، ولا يسد مسدهم، وناهيك بمن يكب على النساخة وهو ابن ثمانين:
*أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم *** من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا
فرحمة الله عليك أيها الأستاذ، فها أنذا أقوم لك بما كنت تقوم به في عهدك لمن درجوا بين يديك، فإنني تناولتك بما أعرفه عنك منصفًا لك، غير متحيز ولا مطرق، وأنت قريب العهد في أسابيعك الأولى في مرمسك، خوفًا أن تفجأ القواطع لا قدر الله، فيحال بيني وبين ما أريد من ذلك، ولا أرتاب في أنني مقصر نحوك، وواقف بك دون مقامك الذي تستحقه، يا من أوتي حماسة علمية فائقة في قطر خانع، لا يعرف من ذلك نقيرًا ولا قمطيرًا، فلست أول من ضيعه قومه، ولكنك بني لنفسك في حياتك، ما يبقى لك خالدًا بعد وفاتك، فقد قمت وحدك بما لم يقم به أقرانك وهم كثير، وخلفت وراءك ما لم يخلفه شانئوك، فيكفيك ذلك ذكرًا خالدًا، وعمرًا ثانيًا:
(والذكر للإنسان عمر ثان)
لا أدعي أنني ترجمتك من عندي، فإن عمدتي في كل ما كتبته حول هو ما سطرته بنفسك لنفسك، ولولاك لما مشيت حولك إلا كما أمشي حول أناس جامدين، لم يكن قلمهم ليبض بقطرة، فحرموا أنفسهم وأهليهم 343/13