ومن تتبع كتاب الأستاذ ظهر له هذان الوصفان واضحين بينين، خصوصًا في شأن تالعينت التي آوته، فقد أرخها من نواح، وذكر أهلها وما قاموا به وما شيدوه، ولا ريب أن من فيه إجلال للأستاذ يحمل ذلك كله على محامل حسنة، على حين أن ذوي الأغراض يلحظون ذلك بأعين مراض، ورضى الناس غاية لا تدرك.
كان الأستاذ في طليعة المبادرين إلى (الهيبة)، وقد ذكر في ترجمته ما خاطبه به، ثم إنه صاحبه إلى مراكش، فتخلف هنالك يوم الهزيمة، فأمكن له مع الفقيه سيدي محمد أوعبوا أن يتملصا من المدينة، سالكين (وادي نفيس) فكان ما لاقاه من المشقة من جراء الأعراب، هو الذي جعل لهم حظًا غير قليل من حماته وغمزاته، وله في هذه السفرة قواف في الهيبة منها ما خاطبه به في (مزوضة)، كنت نويت أن أثبتها هنا –كما وعدت به عند أخبار الهيبة –ولكن ضاعت النسخة التي عندي فيها بين الكتب الآن، كما له فيه أيضًا أخريات في (مراكش).
كان الأستاذ متدينا يقشعر جلده بمواعظ الصادقين في ظنه فيما يقولون، فقد دل على ذلك ما كتبه في ترجمتي الشيخ مولاي أحمد الوادنوني، والشيخ التاموديزتي، ومن كان بهذا الوصف فإنه لذو قلب عامر بجلال ربه، وهل يحرم هذا الوصف إلا القاسية قلوبهم، وحاشا الأستاذ أن يكون ممن قست قلوبهم.
هذا وقد اشتهر الأستاذ اشتهارًا تامًا بالمبادرة إلى الصلاة في أول أوقاتها مقتفيًا في ذلك آثار أستاذه ابن العربي، فكان ذلك من حلل مجده، 329/13
330/13 ومن فخره الذي لا يكاد يدركه فيه أحد، كما اشتهر أيضًا بما يشتهر به العلماء الذين يذوقون الأدب من موانسة وملاطفة في المعاشرة والمجالسة، فمجلسه فياض مبتسم غير متجهم ولا عبوس، وإن كان منظر الأستاذ أولاً بملبسه وبوقاره البديهي لا يقضي بذلك، كما لاقاني به أول مرة زرته في داره.