المؤرخ سيدي محمد بن أحمد من أكابر علماء هذا العصر في (أزغار)، ومن أماثل المتولين للإفتاء والقبول والرد في المباحثات العلمية على اختلافها، فقد طال به العمر حتى نال صيتًا كبيرًا، وحتى تأتي له أن يكتب في غالب معاصريه الذين درجوا بين يديه، فكان يعلن بلا مجمجة كل ما يعرفه عنهم من غير مواربة ولا تورية، ولا تطلب معذرة، سالكًا في ذلك مسلك عدد من المؤرخين يرون أن ذلك من تمام النصيحة، وأن المؤرخ إن خلا كلامه من ذلك، فإنما هو قلب للحقائق ونسج لأثواب الزور، وذلك من أول يوم ديدن المحدثين، حتى سموا ذلك علم التعديل والتجريح، لا يكبرون أن يعلنوا ما يعرفونه في مقام أي إنسان، كلما آنسوا منه خطرة غير محمودة تحقيقًا أو ظنًا، خدمة للحديث ودبًا عن منهل الشريعة، لئلا يرتقيه من يألف أن يكرع في غير الماء الصافي ثم بعد أن تميزت الأحاديث، ولم يبق مما كان حافزًا للمحدثين باق، اختار غالب المؤرخين: محدثين وغيرهم أن يتمشوا في جلوة الهنات بمقدار، وأن يستروا العورات غالبًا، إلا في موقف يضطرون فيه إلى مخالفة ذلك إن اقتضاه داع خاص، فلم يزل ذلك يكثف حتى نسى الانتقاد في التاريخ فصار كله –إلا تحلة للقسم –شهادة حسنة لكل من جرى ذكره في كتب التاريخ، وإن كان من مسلاخ مسيلمة والحجاج وسجاح، وعلى هذه الوتيرة كتب غالب تواريخ الإسلام من القرن الخامس إلى الآن، ولكن يوجد فينة بعد فينة من يهتكون هذا السجف، فيرجع إلى ديدن المؤرخين الأولين، فيكتب كتابة نزيهة تكون كالمصورة، لا تكاد تغادر حسنًا أو قبيحًا، حتى أفرط بعضهم، فصار مولعًا بالعيوب وحدها، حتى أنه ليتطلبها بالمنقاش، ولعل ما ذكروه عن الذهبي والعسقلاني والسخاوي والزياني كان بعضه من هذا الإفراط، ولذلك تصدى مثل ابن السبكي والسيوطي والكنسوسي وأمثالهم للرد على معاصريهم، ممن يسلكون هذا المسلك الذي فيه كثير من الشطط إن لم يصاحبه أدب التعبير.
المعسول · الصفحة ٤٥٢٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ٤٥٢٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي