لكنه لما ولي القضاء، لبس لهذه الحالة لبوسها، فاكتسى وقارًا وحشمة وتؤدة، ولابد من كل ذلك للقاضي، وزد على ذلك أنه الآن وهو شيخ، غيره وهو شاب، وأنه الآن وهو مشغول في كل أوقاته، غيره وهو فارغ من تحمل التبعات في جل أوقاته، على أن الطبع لابد أن يغلب صاحبه، فإنه لا يلبث أن اجتمع مع المسنين أمثاله أن يعود أيضًا إلى حالته، كالفقيه العوفي رحمه الله، والشريف سيدي إبراهيم بن محمد التازاروالتي ومن إليهما، كسيدي عمر التازاروالتي والحاج محمد الأكماري وسيدي أبو بكر، ومجمل خلق المترجم أنه لا يحوم الكبر والعجرفة حوله، وأنه هين الطباع، يألف ويؤلف من أحاسن الناس أخلاقًا، الموطئين أكنافًا، يغلب عليه الحياء خصوصًا من أرباب البيوتات، فلذلك أمكن له أن يستوفي عشرين سنة في منصبه، فلا تجد من يتقول فيه فيما علمته و (ما شهدنا إلا بما علمنا)، بحق وصدق، وما طلب قط في قضية مالاً، إلا ما كان رسميًا للقاضي إذ ذاك، مع أن كل من قدم قضيته فإنه مستعد أن يربحها بكل ما كان من المال، ولو كان في هذا المنصب غيره لكان لعنة للاعنين، سبة تبقى أمد الدهر، لأن الناس من سوس لم يألفوا أن ينجز عليهم حكم، ولا أن ينفذ عليهم بصرامة، ولهذا أكبر العقلاء هذا القاضي الذي يتحايل حتى ينفذ الحكم بما رآه، أو يصالح بين أرباب الخصومة، فقلما يخرج غالبًا من محكمته إلا راض بحكمه، وإن كان محكومًا عليه، وهذا من المزايا التي تختار في القاضي، وقد قال عمر: رددوا الحكم بين أهل الفضل والقرابة حتى يتصالحوا فإن بت الحق يصعب على النفوس أو كما قال: وبأمثال هذه الخلال يفض قضايا كان من قبله يعجز عنها، فقضية المجيكيين في (رسموكة) قد مارسها أبو فارس وسيدي المحفوظ الأدوزيان، ثم سيدي الحاج الحسين الإفراني، فلما وصلته لم يزل بها حتى فضها. 221/13
222/13