أما استحضاره في الدروس لأقوال الناس، ومعرفته بالخلاف في مسألة نحوية أو فقهية، فإنه من أكابر الإلغيين الذين اعتيد منهم ذلك، حتى صار الثناء عليهم به كما يكون الثناء على الشمس بالأنوار والرفعة، وعلى الزهر بالأريج واللون الناصع، فكم تلميذ للأستاذ يقول إن تدريسه فريد، ولا ريب أن العربي الساموكني الذي جال ورأى تدريس الحواضر، وشاهد كيف فصاحة كنون الصغير الفاسي، لابد أن يتأثر بما رأى وشاهد، فيحدوه الاحتذاء حتى يأتي في أثناء تقريراته بالعجب، فلئن كانت دراسته لا تكون إلا بالشلحة، فإن حسن التقرير يمكن في كل لغة، والعبرة باللب لا بالقشور.
كان الأستاذ متتبعا لخطوات أستاذه أبي عبد الله الإلغي، فيتمشى في تلاميذه بالدرجات، مع مؤاخذتهم بالاستظهار وتلاوة كتب الأدب أوقات 48/9
49/9 الراحة، وبالإكباب على مطالع الدروس وإعادتها، فبذلك نجيب منهم كثيرون، ومن لازم الأصول، فاز بالحصول وظفر بالوصول، وكان ذا خط عالٍ لأنه نَسّاخ دائماً لا يمل من ذلك.
أخلاقه وبعض أخباره
كان رحمه الله صليبا في آرائه، طلعة إلى كل شيء، طموحا إلى المجد، فيمهد له بكل ما أمكن، وما العلم وما الرحلة وراءه، وما السعي في الثروة، وما كل الجهود التي يبذلها طول عمره إلا مراق يريد أن يترقى بها إلى ما يراه المثل الأعلى، فكان كما حافظ على مروءته منكباً على الطلوع في هذه المراقي انكبابا، فما ذاك الذي يذكر عنه وراء النوازل من المغالاة في الأجرة إلا من هذه الناحية، والغاية في نظره تبرر الوسيلة، كما أن الشدة التي يأثرها عنه تلاميذه الذين يلزهم ويجشمهم الإمعان في التفهم، لا تستمتد إلا من هذه الناحية، فكل ما أيقن أن الغاية محمودة، لا يبالي أي طريق يسلك إليها.