كان يتوصل من المدرسة بأُجرة المشارطة، ومفتاح هُرْي المدرسة أحيانا يكون في يده فيعطي منه للطلبة مئونتهم المعتادة. ويتناول منه بالمعروف. وكان عزوفا لا تدعه نفسه أن يسف لالتقاط الفتات، ولا للحس الأواني. ولم يمكن له أن يؤدي في المدرسة تلك المهمة العظيمة إلا بصبر أيوب. وإلا فذلك ما لا يكاد يكفي. ولكنه باقتصاد جُبل عليه أمكن له أن يؤثل قليلا يزداد شيئا فشيئا. حتى كان من أغنى أهل قريته نسبيا.
يغادر المدرسة:
كان زوج ولده محمدا الكبير، فحضر الأستاذ الإلغي فحين قدم ما سيذهب به المرسلون إلى أهل الزوجة ليأتوا بها، وكان نعالا عدة. فرط من الأستاذ الإلغي أن قال: من هنا ذهب هُرْي المدرسة، وربّما كان ذلك منه إنما هو مباسطة أو يقصد ما يتوصل به الأستاذ من أجرة المشارطة، وأيا كان فإن تلك الكلمة النابية أثرت تأثيرها في الأستاذ التاجارمونتي، ولم يرد أن يمتد حبله بعد مع من يرونه بهذه النظرة، فأقلع عن المدرسة، بعد ما راوده الأستاذ أبو الحسن أن يبقى ولعله اعتذر له عما كان. ولكن إنفة التاجارمونتي أملت عليه لزاما أن لا يبقى هناك.
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد *** إليه بوجه آخر الدهر تقبل
هكذا حكى لي من يطلع على الخبايا عن السبب الذي غادر به المدرسة. كما ذكر لي من أسباب ذلك أيضاً أن أبا الحسن الأستاذ الإلغي أَخرج من المدرسة بعض الطلبة الذين يحسب التاجارمونتي إخراجهم وطردهم منها فيه ما لا يتمشى مع ما يظهر له أنه حق. وللناس أنظار مختلفة، وأيا كان. فقد آن للأستاذ التاجارمونتي أن يستبدل مكانا بمكان. فإنه:
لولا التنقل ما ارتقى *** در البحور إلى النحور
ثم زَمّ هو لسانه لا ينبس ببنت شفة في جانب أستاذه الإلغي. تهيبا وتعظيما واحتراما. فانطوت بذلك صفحات ذهبية إلغية من تلك المدرسة، ثم لم يأت بعده من ألّف في المدرسة مثله، ولا من أدى فيها مثل أعماله العظيمة. 11/9
12/9 في المدرسة الإيغشانية