35/6 له بالسبق واعترف وسلم، وقال للشيخ لما جاءه بالكتاب، وقد استبشر بحمله إليه وانشرح، وبلغ الغاية من السرور والفرح: الحمد لله الذي منَّ علينا بمجيئك إلي، فإنه غاية منيتي، فقد كنت عازماً على إرسال الذخيرة إليك في حياتي، أو تحمل إليك بعد موتي، لتنظر فيها وتتصفحها، عسى أن تظهر لك فيها كبوة فتصلحها، فأكرمني ربي بلقائك، وبلغ مرادي في رجائي وابتغائك، فله الحمد والشكر على كل نعمة، وخصوصاً لقاء أهل الفضل بالعلم والتقوى والحكمة، وقال له: انظر فيها وطالع وتأمل، فإن أعجبتك واستحسنتها فقد بلغ المراد فيها وتكمل، وهي حينئذ زهاء ثلاثين سِفْراً، قال شيخنا: كل سفر منها زفر يصير الزفر إذا قيس به زفراً(1)، وقال مؤلفها رضي الله عنه: إنها مقرونة بالعمر، لا تنتهي الزيادة في تأليفها إلا بانتهائه(2)، إذ لا منتهى للصلاة على المصطفى سيد الخلائق صلى الله وسلم عليه وعلى آله، ولا انقضاء لكماله وبهائه، وكان المتولي حينئذ كَتْبَها وإخْرَاجها من المبيضة وسردها الفقيهُ العلامة السيد محمد بن أبي القاسم السجلماسي، وكان من تلاميذ شيخنا، فلازمه مدة إقامتنا عند السيد المعطي ليلاً ونهاراً، لا يفارقه إذ لا يطيق من له ذوق في العلوم عن مجالسته إذا رآه اصطباراً، ولا يحب إلا بين يديه قراراً، فتصفح الشيخ الذخيرة وتأمل أسفارها، وتجلت له عرائس أسرارها وأنوارها، وبرزت له مخدرات خرائدها وأبكارها، فأثنى عليها وعلى مؤلفها ثناءً حسناً، أجاد فيه ما شاء بحيث يزيح عن سامعه إغفاءً ووَسَناً، في إنشاء بفواصلَ بليغةٍ رائقة، واتَّبعه بقصيدة من المخلع فائقة، فيها ثلاثة وخمسون بيتاً، كل بيت منها يكاد يحيي سماعه قلباً ميتاً، وذلك على عادته رضي الله عنه في فصاحته وبلاغته وسهولة النظم عليه،
(1) الزفر كصرد: البحر. وبكسر الزاي: القربة، أي يسقط يصير البحر إذا قيس به قربة بالنسبة إليه.
(2) بلغت أزيد من ستين مجلداً، توجد كلها متفرقة.