هذا ما قاله الأستاذ ولله دره لقد أتحفنا من هذه الرسائل الفذة بدرر غوال تكشف لنا عن أدب الأستاذ عبد الرحمن الجشتيمي وعن أريحيته العظيمة وعن تمكنه في الأدب تمكناً عظيماً، وقد كنا ذكرنا كل هذه الرسائل في ترجمة الجشتيمي وهي بها أولى ولكننا لا نريد الافتيات على صاحبنا الأستاذ أحمد بن محمد حين أدرجها هنا فذكرنا بعضها لتدل أيضاً على المكتوب إليه أديب كبير ؛ لأن الوشي العالي لا ينشر إلا عند عارفيه وذلك حق وصدق ومن لي بأناس ينكرون الأدب يسمعون ما قاله هذا الإمام لعلهم يرتدعون عما نراهم عليه في مجالس يروج فيها الأدب حتى لترى أحدهم عند رواج الأدبيات في مجلس كأنه بعض الأعراب الجاهليين الذين قال القرآن الكريم فيهم: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم﴾.
أحب من الأديب الفكه الذي يتذوق الأدب العالي إن يقف ساعات عند هذه الرسائل الثلاث، ليرى كيف يلقي الكلام وكيف تكتسي الألفاظ من البيان حبراً تختلس الألباب، وتبهر العقول وليكرر النظرات مراراً على الرسالة الأولى ليرى ذلك المسلك الحلو اللطيف الذي سلكه الأستاذ الجشتيمي في تسلية صاحبه عن تلك الأهوال فكل من لم يستوقف مثل هذا الكلام العالي بصره، ولم يأخذ بمشاعره فمثله كمثل الأعجمي الذي وجد بين أضيافه طفيليّاً من الأدباء الذين يدخلون قلوب رقيقي الشعور بآدابهم وأخلاقهم بلا استئذان كما يدخلون ديارهم التي تقام فيها المآدب بلا استئذان، فقال له حين وقع عليه: ما أدخلك داري؟ فقابله الطفيلي بتلك الوادعة والألطاف التي هي كل ما يعده الطفيلي المسكين لأمثال هذه المواقف التي يترقبها دائماً، فقال له وهو خافض الجناح:
نزوركم لا نقابلكم بجفوتكم *** إن الكريم إذا ما لم يزر زارا
260/5
261/5