تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنعد إلى ما كنا بصدده، فلما خرجنا من مدرسة ( إينفال ) سلكنا الطريق الجنوبي الأيمن، وطلعنا مع بلدة تسمى ( تيان ) وهي مسقط رأس الفقيه العلامة الغيور السيد محمد بن عبد الله الكثيري، وإخوته الفقيه السيد أحمد وولديه الفقيهين السيد محمد بن عبد الله، وأخيه أحمد بن محمد، وأدركنا الحر والقيظ، ودخلناها للقيلولة، فوجدنا مكتب جامعها مملوءا بالصبيان المتعلمين كبارا وصغارا، أكثرهم نجباء، وعليهم فقيه مؤدب كالأسد الضاري، لا يفتر عن الضرب والكبل والقيد والرمي بالأحجار، ولا يفكر في أي موضع يضرب، وأكثر ما يضربهم في الرؤوس، وترى الدماء سائلة على لباسهم، ولا ترى فيهم إلا مجروح الرأس خمسة جروح فأكثر، فضلا عن الظهر، ولا يلتفتون يمنة ولا يسرة، ألا ويرون الموت الأحمر، ولما دخلنا عليه في مكتبه أشار علينا بالجلوس إزاءه، ففعلت فسألني فانتسبت له، ففرح غاية الفرح، وقدم ما وجد عنده، فكلمته فيما يعمل من التعدي على التلاميذ، وطلبت منه التخفيف والرحمة عليهم، وعدم التبريح في الضرب وقررت له أقاويل العلماء المتبحرين في تأديب المتعلمين وكيفيته ومقداره وموضعه، وتلوت عليه قول الله تعالى ( الرحمن علم القرآن ) ولا يعلمه كثرة العصا والضرب، وقلت له إن أفكارهم إذا استرسلت عليها المشقة الفادحة تصير في دله وبله وجمود عظيم، ولا تعي شيئا، ولا تستفيد مع عدم الطيب والصفاء من شوائب الطغيان، ورحم الله ابن مالك حيث قال في ألفيته النحوية ( طب نفسا تفد ) ، فما كان جوابه إلا قوله إن أولاد هذه القبائل لا يستقيمون إلا بما ترى، وقد جرباناهم وسسناهم بكل سياسة، فلم ينجح فيهم إلا الضرب والطعن، ولا ينجح فيهم إلا ما ترى، لأنهم أهل خفة وطيش وسوء أدب، وفيهم جسارة عظيمة وتكبر وتيه، فلا تلين قناتهم لغامز، إلا بما ترى 316/3

317/3 من المبالغة في الزجر بأنواع السب والعصا، وإلا صالوا عليك واحتقروك، ويرحم الله زهيرا إذ يقول:

المعسول · الصفحة ١٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ١٤٧٨