ولما قضينا أيام الضيافة والاستراحة من وعثاء السفر، تودعنا مع صاحبنا الصوابي المذكور، واستمطر مني الدعاء بإلحاح كثير، قابضا بكفه على كفي، وخرج إلى تشييعي أميالا، واصحبنا خريتا من أصحابه إلى مدرسة بني فارس ( فلاس ) وسلكنا بين سدين عظيمين علوا وارتفاعا، ولباسهما دروع سابغات من أدواح الهرجان والرتوم، وخلالهما من أنواع غناء النساء المحتطبات ما يخجل الموصلي وزريابا، ومن المغاني ما يزري بتشبيهات ابن المعتز وأخي رباب، من كل ذات دلال وعقائص أدنتها وأدلتها بها على خصمها فخصمته فلم يبق له قلب ولألباب، ودخلتني نشوة ذي الحب بالذي دب في مفاصلنا، ولم نشعر إلا ونحن بباب المدرسة ( الفلاسية ) ووجدنا بفنائها جماعة من الطلبة الأجلة نحو الخمسين، فتساءلنا وتعارفنا، فأكلنا وشربنا واشتركنا الدعاء ورجع الدليل بعدما وصف لنا الطريق المسلوك وأحواله وعلاماته، فانصرفنا شاكرين الجميع وطلعنا إلى ( أداوكثير ) فوصلنا إلى مدرسة ( إينفال ) في واد كثير الخيرات من الفواكه والكروم والتين الشوكي والهرجان، فدخلنا قبة فيها مدفن ولي يسمى السيد المرتضى، فإذا بجماعة من طلبة المدرسة قد دخلوا أيضا للزيارة وللمطالعة هناك، فتعارفنا، فأعلموا بنا الفقيه، فبعث إلينا، فسأل عن أحوالنا فانتسبنا له، ففرح وسر غاية السرور، وأضافنا تلك الليلة حسن ضيافة، والمدرسة مشحونة بطلبة العلم، فيها ما ينيف على ستين طالبا، ولما أصبح الصباح، تودعنا معه ومع الجميع، ولما خرجنا عجنا إلى اليمين تاركين طريق ( أداكنيضيف ) مخافة من جريرة طالب مانوزي وقعت فيها تلك الأيام، وهي أن طالبا من مدشر ( أيزورزن ) من قبيلة ( تاسريرت ) من ( آمانوز ) يسمى ابن اليزيد من أيت ترحات يقرؤ بمدرسة إفري هيلانة ( إيلالن ) ذهب إلى بلده في العواشر، وتسوق سوق الجمعة بأدا كنيضيف، فلما خرج منه اتفق أن لصين سرقا حمارا خارج السوق، وذهبا معه في طريقه من غير علم منه بأمرهما، بل
المعسول · الصفحة ١٤٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ١٤٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي