وأوصاني برفع الهمة عن جميع خلق الله، وأنشد علي ذلك:
وكل ما قد خلق اللـ *** ــه وما لم يخلق
محتقر في همتي *** كشعرة في مفرقي
وقول بعضهم:
وقائلة لم عرتك الهمـ *** ـموم وأمرك ممثل في الأمم
فقلت ذريني على حالتي *** فإن الهموم بقدر الهمم
ثم أمر عبيده بتقديم الفطور، فقدموا مائدة فيها خبز حنطة، في إناء مغمور بسمن وعسل، وهو المسمى عندهم بـ ( الرفيسة ) فتناولناه، وقدم إلينا حليب نياق، وهن أمامنا في حوش واسع الأرجاء، مع غيرهن من الأنعام فلما فرغنا من الأكل ناولني الإجازة المباركة فأمرني بقراءتها، فقرأتها، ففرح ودعا لي، وودعني بعدما سألني عن الطريق التي تصلح لسلوكها، فقلت له تفضل على تفضل علي يا سيدي بالإشارة إليها، فأمرني بسلوك طريق جبال ( أداكاران ) ثم ( أيت باها ) ثم ( أيت مزال ) ثم ( أداوكثير ) ثم ( أداكنضيف ) ثم جبل ( الكست ) العظيم، فامتثلت، فخرجت من المدرسة مع بعض أفاضلها وهو الفقيه سيدي محمد بن بوهوش العلالي الهشتوكي وغيره، ممن لهم غرض في صلة أرحامهم بذوي ورانة ( محل هناك ) ووصلنا بعدما وصلنا الحر مدشرا هم قاصدوه، فعرضوا علينا القيلولة عند أرحامهم، فدخلنا، فقدموا لنا ما يشفي الغليل من الكسكس واللبن الرائب، وأكلنا حتى اشتفينا، ثم بعد قليل قدموا لنا الخبز الرقيق مع سمن وعسل ( الرفيسة ) وشربنا بعدها كؤوس الأتاي، وتوضأنا للظهر وصلينا، ودعونا جميعا، وسلكنا طريق زاوية ( سيدي أبي السحاب ) بحرف الجبل، وعرجنا عليها لصلاة العصر، فدخلنا المدرسة فوجدنا الطلبة مصطفين للصلاة، فصلينا معهم، وهم أزيد من تسعين طالبا (1) لأن هذه المدرسة من كبريات مدارس هشتوكة، لكثرة قبيلتها ولها أيضا ثروة عظيمة، ولها سوق عظيم يوم الجمعة، يرده أهل الآفاق 311/3
(1) كانت مدارس القراءات السبع عامرة إذ ذاك، كما كانت المدارس العلمية أيضا، ولم ينقص ذلك إلا بعد 1330 هـ وإلا سنة 1345 هـ المجدية.