ولما قضيت الوطر وحان وقت الترحال والنقلة من هذه المدرسة المباركة والسفر، واستوحيت بعدما استحوذت على ما فيها من الفنون من أوطاب أفذاذها من رجالها، وحصلت على بغيتي ومنيتي من فطاحلها وكمالها، خاطبت الشيخ بالتشريف بالإجازة بما عنده نقلا وعقلا، فلباني بعد مراجعات كثيرة نظما ونشرا، ويطول سرد ذلك، ولما طاب القلب، وصفا لباب اللب، استقدمني لداره بـ ( أيت ولياض ) وبينها وبين المدرسة نحو خمسة كيلو مترات صبيحة يوم الجمعة فاتح ذي الحجة عام 1329هفذهبت وفي معيتي عشرة كيلوات من اللوز المقلي، جاءتني من البلد، فذهبت بها إليه، ولما دخلت عليه، ومعه ناس من أعيان القبيلة، وسلمت، كأنه كاشفني على ما عندي، فناولني مفتاح بيت إشارة إلى وضع ذلك اللوز فيه وإخفائه عمن عنده، لكثرة رغبتهم فيه وشره أهل تلك الأقطار السهلية إليه، لعدمه في بلادهم، وقلة حيائهم فيما يشتهون، ولما تقدمت لفتح باب البيت استصعب علي، فقام أحد الأعيان بفتحه لتمرنه عليه، ودخلت باللوز وراءه، فاختلس منه شيئا ضاحكا ممازحا، فسكت عنه، وخرجت فجلست بعيدا منهم، لما يجري بينهم من المفاوضة السرية، فلما فرغوا أشار إلى الفقيه، فتقدمت ماثلا منتصبا بين يديه، فأشار إلي بالجلوس، وأخذ القرطاس والدواة، فشرع يسألني عن أحوالي بعد الإجازة والسفر إلى بلادي، ويوصيني بعدم الانقطاع عنه مشافهة ومكاتبة، ويوصيني بنشر العلم وبثه، والانهماك على إرشاد المسلمين، وإصلاح ذات بينهم، وفصل نزاعهم بمقتضى الشريعة المحمدية، من غير شطط، دون تفريط أو إفراط 310/3
311/3 في جميع الأمور، وأوصاني بالتنبه لهذا الزمان الحاضر، والمجاراة معه دون معاكسته، وأنشدني في قولهم في الوقت:
وكالسيف إن لاينته لأن حده *** وحداه إن خاشنته خشنان
وقول ابن الفارض رضي الله عنه في عدم التقاعد والتواكل والتسويف:
فسر زمنا وانهض كسيرا فحظك الـ *** ـبطالة ما أخرت عزما لصحة