ومن نفوذ الشيخ الحاج عابد المرابطي العلمي أنه يصبح كل يوم بباب مدرسته أزيد من عشرة ذبائح، من ثور وكبش، ودون ذلك، من المواهب التي ترد عليه من القبائل كل واحدة لحاجة، فمن ذابح قصده التوسط في الهدنة والهناء، ومن قصده إن كان شيخ القبيلة أو قائدا أن يوفق بينه وبين آخر أو قتيل كذلك، أو كان منفيا ليرجع إلى داره أو غير ذلك، وأقمنا بالمدرسة ( الكونكية ) خمسة أيام، حتى استرحنا، ورجعت إلينا قوانا، وأصلحنا من شئوننا ما أصابنا من وعثاء السفر من الأوساخ والأدران، واستدعانا ناس كثيرون من طلبة المدرسة، خاطبين لمودتنا، راغبين في محبتنا، وعدد طلبة المدرسة أزيد من مائة بكثير، وهذه المدرسة، ومدرسة أداو محمد متقاربتان في العمارة والتدريس، وكثرة الغرباء، وإن كانت المدرسة ( المحمدية ) أكثر علما وعملا وتحقيقا وكثرة الغرباء الأباعد والأقارب، لأن مدرسها كما سيأتي عادم القرين والنظير بالسوس الأقصى في عصره، ثم تهيأنا للسفر صبيحة الاثنين إلى ( أدا ومحمد ) وهو يوم سوقهم، فراودني أصحابي على المقام، فأبيت متعللا بأن النية منصرفة منذ أيام الصبا إلى ابن عابو، فعزموا على الإقامة، وابتدأوا القراءة تلك الصبيحة، فلما تودعت مع الفقيه، وتودعت مع الأصحاب وخرجت إلى باب المدرسة، وخرجوا معي لتشييعي، بدا لهم أن لا يفارقوني، فأزمعوا السفر، فوبختهم وقلت لهم لا ينبغي لكم أن تذهبوا معي بعدما ابتدأتم، وذلك عار وسبة بينكم وبين الشيخ، فأبوا أن يقبلوا مني إلا المصاحبة، فذهبنا جميعا بعد عاشرة النهار، والقيظ يحرق الصخور، والأقدام تغوص في الرمال الحارة والمسافة بعيدة، وأنا في ذلك كله متفكر مهتم، فما انفصلنا عن المدرسة، إلا وراكب بغل قد لحقنا في طريقنا، فوقف وقال: ليركب معي أحدكم، فقلنا له اختر أينا شئت، فعينني من بينهم، فقلت على بركة الله، فركبت معه، وكفاني الله تلك المشقة الفادحة، وأصحابي يستبقون خلفنا، إلى أن وصلنا المدرسة (
المعسول · الصفحة ١٤٥٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ١٤٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي