تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما صلينا الظهر بسوق ( أداي ) المتقدم الذكر، وأكلنا خبزا ولحما ومرقا مع الفقيه المومأ إليه، وتودعنا معه على نحو ما ذكرنا، انصرفنا طالعين خائضين ذلك الجبل الوعر، الذي يطل على بلاد رسموكة، إلى أن استوينا فوقه، وأشرفنا على بلاد أيت حامد، فوجدنا فيها جماهير من أخلاط الرجال والنساء، في أحسن زي ولبتاس، ففي كل بلد ومدشر وقرية، فسألنا عن 297/3

298/3 السبب فقيل لنا إن في هذه الأيام موسم معروفهم المسمى أدرنان (1)، ثم عرجنا على بعض القرى، فإذا فيها من الخلق ما لا يحصى، والرجال في لهو ولعب بالدفوف مصطفين يتراقصون على العادة، والنساء كالجراد حواليهم متنقبات لا تبدو منهن شعرة واحدة، ينظرن إليهم على العادة المعهودة، حتى إذا فرغوا من لعبهم تصافت النساء أيضا كذلك للرقص والشطح والتصفيق عياذا بالله وهم في سكينة ووقار، بحيث لا تسمع منهم لغوا ولا هجرا، ولا كلمة قبيحة، وهكذا دأبهم ثلاث ليال من الأربعاء إلى يوم السبت، ولما جلسنا بمزجر الكلب منهم تفرسوا فينا إثر الغربة، وجاءنا أحدهم، فعرض علينا الأكل عنده بداره تبركا بنا، فذهبنا معه فقدم إلينا من أنواع الموائد والأطعمة والفواكه والإدام ما أقر به أعيننا، فتناولنا الطعام من خبز فرن وأخباز رقاق وعسل وسمن وزيت هرجان ( أركان ) ومطحون لوز ( أملو ) وطاجن لحم وكسكس وبيض ولوز مقلي، وتمر وتين وزبيب، وغير ذلك من النعم، وعاملنا بالجميل جزاه الله خيرا وصلينا العصر وأم بنا، فطلب منا الدعاء (2)

(1) يصنع في هذه الأيام خبز الرقاق كصدقة أولا، ثم توسع في ذلك إلى كثرة الإنفاق فتستدعي كل قرية أخرى، فيجتمع الشباب على أحواش (ألعابهم المحلية بالدفوف والأناشيد).

(2) العادة أن الناس يطلبون دائما الدعاء من الطلبة حيثما صادفوهم، ومن أغرب الوقائع أنني حين كنت تلميذا بمدرسة إيغشان كان في رأسي جرب، فقال الأستاذ سيدي عبد الله بن محمد الإلغي للطلبة ادعوا الله أن يشفي فلانا مما فيه، فلم يمض إلا قليل حتى برئت منه، ومنها أنني إذ ذاك كنت مع الطلبة ونحن نجمع السمن للأستاذ من القبيلة، فأراد الطلبة من ذي غنم في قرية (توكال) أن يعطيهم شاة منها فلم يفعل، فلما غادرنا القرية وقف الطلبة يدعون عليه بالهلاك، فالتفت فإذا أمامي حجر الزناد المعروف في البنادق الأهلية (بو الشفر) فقلت لهم ضاحكا أنه سيقتل، فكان من المصادفات أن قتل وشيكا مع أنه مظلوم كما ترى، لأن المال ماله، لا يحل منه إلا بطيب نفسه، ومثلها ما حكاه لي الفقيه سيدي الطاهر بن علي أن طلبة مدرسة سيدي علي بن سعيد في الإخصاص طلبوا من غني في قرية (إيكيوونا) قرب المدرسة أن يعطيهم شاة من غنمه، فلم تتيسر منه، فلما انفتل من عندهم صاروا يدعون عليه بالهلاك، وأن تكون تلك الشاة لحما لعشاء موته، فهلك المسكين في ظرف ثلاثة أيام، وهكذا استجيب الدعاء.

أقول كان الشيخ الصوفي سيدي الحاج الحسن التاموديزتي يقول: إن الطلبة ما اجتمعوا على شيء إلا أتمه الله، ويقول سيدي إبراهيم بن صالح التازروالتي ما حرمت الأولاد إلا من دعوة لطلبة وقفوا أمام داري يوم عرسي، فلم أطعمهم فدعوا علي أن لا أرزق الأولاد، فنفذ دعاؤهم.

سقنا هذه الحكات – وما أكثر أمثالها – ليعرف القارئ أن ما يقوله المترجم كان شائعا متداولا في سوس، حول حفظة كتاب الله، وهم المقصودون بالطلبة.

المعسول · الصفحة ١٤٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ١٤٤٨