288/3 العصر ابتدأت السفر، فقال لي تريث قليلا، فإن الموضع الذي تبيت فيه قريب وقد أوصيناهم بالوقوف معك، وهو مدرسة ( تانالت ) عند الفقيه العلامة السيد أحمد أبو الرهوات من فجة ( تافيلالت ) خليفة الفقيه المدرس فيها السيد محمد بن عبد الله أقاريض الصوابي لكونه غائبا، فأقمت إلى أن أدينا العصر وشيعني وطلعت الجبل إلى المدرسة , وهي مبنية على شفا ربوة ذات قرار ومعين، تحيط بها المياه في الأدوية، والسواقي والنخل والأعناب والزياتين من كل جهة، فدخلتها وتلقاني أهلها بالترحيب، وخصوصا الفقيه الموصى علي، فصلينا العشاءين، وقرأنا الحزب، ودخلنا لمحل ضيافة الفقيه وهي المصرية الكبيرة فتعشينا بأنواع الأطعمة والفواكه المدخرة (1) وشربنا الأتاي، وتذاكرنا بأنواع المذاكرات، إلى أن مضت هنيئة من الليل، فأخذنا مضاجعنا، فلما كان آخر الليل قام الطلبة على عادتهم للقراءة وأنواع المذاكرات وسرد المحفوظات إلى أن حان الفجر (2) وبعد أدائه وسرد الحزب الصبحي انفض الجميع كل إلى بيته على عادة أهل المدارس للإفطار بما تيسر، والغالب أن يكون ذلك شراب الحريرة ( أي الحساء ) لأن خادم المدرسة تهيئه لهم، فما فرغنا من الإفطار به وبالخبز والسمن والعسل، وبما وجد في المائدة من أنواع الفواكه المدخرة، وشرب الأتاي، وقدم الغداء، وهو عندهم في ذلك الوقت الكسكس مع الخضر واللحم وأردنا الوداع، اجتمع على الإخوان من الطلبة طالبين مني العودة إليهم للقراءة معهم، فوعدتهم، وكانت معي دراهم فأهديتها لهم، ودعوا لي بخير، فخرجنا للتشييع والوداع، فإذا بصاحبي المرابط سيدي إبراهيم بن إكرام الكرسيفي الأسرسيفي المذكور، وهو قد سبقني بالسفر، فسبقته في الغاية، فحمدنا الله على
(1) الفواكه المدخرة بأيت صواب هي اللوز والتين والزبيب.
(2) هذه حقائق يتعجب منها من ينامون صباحا اليوم ومن يزورون تارودانت التي لا يزال طلبتها محافظين على هذا التبكير لمراجعة الدروس.