286/3 كبار البلد، فسألتهما عن صاحبي المرابط السيد إبراهيم بن إكرام الكرسيفي الأسرسيفي، فلم يريا له خبرا، وما عرضا علي أن أفطر معهما، فعجبت من بخلهما، ورجعت مسرعا خارجا من البلد، إلى حال سبيلي، لأنه كانت بين هذا البلد وبين مانوزة أذحال (1) ومظالم خفت من عائلتها، وذلك أن رفقة كبيرة مقدار ثمانين بعيرا من السلعة من أيت ( إيمي أوغكمي ) في حدود التسعين أيام السلطان مولاي الحسن، قد تعرضت لها قبيلة ( مانوزة ) في ( أكرسيف ) فأخذوا وأكلوا متاعهم، وباعوا عيرهم، وقد تقوم جميع ذلك بمال له بال من طرف أصحابه المغصوبين، وقدروا وزنه بحجر كبير الجسم، فأخذوا هذا الحجر، ووضعوه في محل مأمون، يترصدون فيه من يمر من المانوزيين في جميع الأحيان، ولما خرجت من البلد إلى خارجه، أخذتني بعض الطرق الذاهبة إلى جبال ( أيساكن ) و ( تودمة ) وأخطأت الطريق، فإذا برجل كبير أشيب طويل القامة، يرعى بقرا وغنما، تعرض لي وقال: إلى أين أيها الشريف الصغير الطالب، ومن أين أنتم؟ فهممت بالإنكار، فقال لعلك من ناحية كذا، ومن بني فلان منهم، فإني رأيت في ملامح وجهك أكثر نعوتهم، وتفرست في نعوتك وأوصافك ما يدل على أنك من صميم قبيلة ( أمانوز ) فقلت له الأمر ما وصفت يا سيدي، فقال لي إرجع إلى الطريق الأيمن، واسلك ذلك الوادي ولا تخبر أحدا ممن لقيك بنسبك، وانج بنفسك، فإن كانت لك رغبة في ضيافة الله ثلاثا أو أقل أو أكثر، فاذهب معنا في أمن وأمان، فإننا من مرابطي قبيلتكم آل ( تادارت ) الكرسيفيين، وانتقلنا منها أوائل أيام المولى عبد الرحمن بن هشام فلا تخف منا شيئا فقلت له جزاك الله خيرا، وتودعنا، وشيعني أميالا، إلى أن وصلنا إلى جماعة عظيمة من أخلاط النساء، وأكثرهن أبكار، ذاهبات إلى تلك الجبال للاحتطاب، وفي أيديهن حبال على عادة البلاد، وعند كل واحدة منهن خبر الملة (2)
(1) جمع ذحل، كذحول، الثأر.
(2) الملة بفتح الملة واللام المشددة الرماد المحمي أو الجمر، وخبز الملة هو الذي ينضج على ذلك، ويصنع كثيرا للرعاء وأمثالهم.