285/3 بغابات أكناري ( التين الشوكي ) أي الهندية، سرت في أزقتها نصف ساعة وأنا لم أسمع من البلد كلبا ينبح، ولا بهيمة ترغو أو تمر ولا حيوانا فيه روح لكثرة الجوع، وغلبته على جميع الأقطار، فدخلت في الوقت الذي ذكرته آنفا فوجدت جماعة من رجال البلدة ما ينيف على الستين حول حائط باب البلد فسلمت عليهم، فلم يرد علي إلا واحد منهم اسمه محمد بن عبد الله، وهو منتبذ عنهم قليلا، فأشار إلي بالجلوس إزاءه فامتثلت، فقلت له إني على غير وضوء، فقال لي اذهب إلى الغدير، لغدير أمامه تسقى منه الدواب، فذهبت فوجدت به ماء آسنا متكدرا، ولكن للضرورة توضأت به، فصليت العشاءين هناك، ورجعت إلى الرجل، فقلت له أين الجامع؟ فقال إن الجامع خال من إمام ومؤذن لغلبة القحط، اجلس معي لنذهب إلى دارنا، فجلست نصف ساعة والناس ساكتون، وفي أيديهم أورادهم يذكرون ربهم (1) وكأنهم في حالة ذهول، فسألني بعض أكابرهم، فانتسبت له، فقال لي قم معي إلى الضيافة فقال له محمد بن عبد الله سبقتك إليه، فجزاه خيرا، وانصرف الناس إلى مراقدهم، وذهبت مع الرجل، فدخلت داره، فسمعت صهيل الفرس من حوشه وعلمت أنه من أهل الثروة، فشكرت الله، وذهب إلى مصرية في حوشه ( المصرية الغرفة الفوقية، والحوش بالفتح حظيرة المنزل للماشية والبهائم ) كبيرة بحيث أرى داره قبلا مني، وقدم إلى خبز كانون غليظ ( أضيف للكانون لأنه ينضج على جوانبه الداخلية ) على عادتهم مع السمن والعسل بكثرة، وأدار علي من كئوس الاتاي ما ينسيني الغربة، ثم تحدث معي هنيهة من الله فذكر أنه مهتم بأمر الأولاد، وكان له زوجتان (2)
(1) هذه حقيقة حال ذلك الجيل، لا يكاد الإنسان يبلغ ويتزوج حتى يتلقن الطريقة الناصرية – غالبا – ثم يلازم أذكاره وصلواته، ولا يشذ عن هذه الحالة إلا قليلون جدا، وتارك الصلاة ينعدم منهم إلا تحلة للقسم.
(2) يقل جدا جدا من تكون له أكثر من زوجة في جزولة وقلما تجد في القبيلة إلا واحدا أو اثنين من الأغنياء الذين لا أولاد لهم مع الأولى، وكذلك الطلاق يقل جدا حتى لا تكاد تسمعه إذ ذاك.