تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قضيت الوطر وفرغت مما ذكرنا من إتقان قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري عند هذا الشيخ، ووقع لي ما ذكرت مما رأيته مع الوالدة في المنام، وعلمت أنها حنت إلى حنين البعير إلى عطنه، والمؤمن لابد أيضا أن يحن إلى وطنه، أزمعت على السفر بقصد صلة الرحم الواجب إبلالها على كل مؤمن ولم يبق إلا أطلالها، فطلبت من الشيخ طلبا جازما أن يتفضل بالإجازة والتسريح فامتنع وقال أنا لقبول طلبك غير مبيح، فما كان غير أيام حتى خرجت في بعض الليالي المقمرة هاربا ولبلادي طالبا، فخضت في تلك الليلة ما بين ( أيت باكو ) وبين ( أيت صالح ) بأيت بلفاع، ولم يكن لي فيها رفيق دون الذئاب والسباع لكثرتها في تلك الفيافي، مع أني من النعال حاف، فما أصبح الصباح إلا وأنا عند المرابط الفقيه السيد ياسين الكرسيفي المتقدم، فقصصت عليه القصة من غير زيد ولا نقص، فقال لي إن الهروب من شيخك من غير طيب نفس يعد من النقص فما أتممنا الكلام إلا وطارق يدق الباب، ونعوذ بالله من كل طارق إلا بخير، فإذا نحن بطالبين من أصحابنا بعثهما الفقيه إلي ليرداني إليه، فتمنعت حياء منه أول الأمر، فلم يزل بي الفقيه سيدي ياسين بن إبراهيم، إلى أن أجبت وأحببت الرجوع معهما إلى شيخي، فلما وصلته ضحك وهش وبش، ودعا لي بخير، واقترح علي إقامة شهر، فساعدته فأجازني وسرحني بعد تمامه، فانصرفت راجعا إلى بلادي، وجعلت طريقي علي ( أيت بلفاع ) ثم ( ايت ميلك ) ثم ( أيت أيلوكان ) والجراد يتناثر على عيني ورأسي لكثرته، فغطيت وجهي بعمامتي، لئلا يصيب يعيني فيؤذيني، فلما وصلت ( أسرسيف ) دخلت البلد وسألت عن المرابط ابن أكرام المغازي الجرسيفي، لكونه يريد السفر إلى بلده ( أكرسيف ) فرغبت في مرافقته في الطريق، فأخبرتني زوجته أنه قد سافر في أول النهار، وكان الوقت وقت العصر، فعرضت على البيات عندهم، لكون المسافة بعيدة، ولوجود اللصوص في جنح الليل والسباع ذلك تلك الأرض بين ( أسرسيف ) وبين

المعسول · الصفحة ١٤٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ١٤٢٣