تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذلك أن طالبا خان الفقيه شيخنا المذكور، وسرق من صندوقه أمانات لأناس وضعوها عنده، على عادة القبائل في وضعها عند فقهاء مدارسهم، مخافة إغارات العدو ونهب الديار، لاسيما عند استحكام السنين الممحلة ذوات القحط والجوع، لكون المدارس وفقهائها في غاية الاحترام، وذلك من ذهب وفضة ولبان ورسوم وأنواع الأمتعة، فوجد الفقيه الصندوق فارغا، وقد سرق منه نحو عشرة آلاف ريال ( سكة هذا التاريخ ) فلما فرغ الناس من صلاة المغرب، واصطفوا على عادتهم لقراءة الحزب الليلي، ولم يتخلف من الطلبة أحد، لأنهم يرتبون العقوبة على المتخلفين عن الصلوات الخمس وقراءة الأحزاب (1) أخذ الفقيه يبكي بكاء شهيق ونحيب، فلم يعرف أحد من الطلبة ما دهاه، وهابوا أن يسألوه، فتجاسر بعض كبار الطلبة على سؤاله، فقال له: ما لك يا سيدنا أقر الله عينك، ولا أبكاك إلا من خشيته؟ فقال له الفقيه: ومالي لا أبكي وبطن الأرض أفضل لي من ظهرها؟ وقد انتهكت أعراضنا بسرقة أمانات الناس من حرزنا، فماذا أقول لأربابها، وماذا أقول لخالقي؟ ثم مد كفيه، وقال للطلبة مدوا أكفكم ندعو على هذا الخائن إن لم يرد الأمانات بعد ثلاثة أيام بالهلاك، فقيل له: بل نؤجل هذا الدعاء إلى انصرام هذا الأجل، فقال نعم، ثم شرع الطلبة في قراءة الحزب وانفضوا بعده، فلما كان آخر الليلة الأولى من الثلاث، وجد الفقيه جميع ما أخذ من الأمانات، ولم تضع منها قلامة ظفر، موضوعا في بيت الصناديق، ولم يعلم الناس من هو هذا الخائن من بين الطلبة، ولا اتهموا أحدا فاستبشر الناس، ونجى الله الخائن من شر دعوة هذا الجمع العظيم الصالح الذي لا ترد دعوته.

تنبيه:

(1) كان مقدار العقوبة التي كنا رتبناها فيما بيننا على المتخلفين عن ذلك لما كنا في مدرسة (إيغشان) عام 1330 موزونتين، ويعبر عنهما بـ (وجهين) وتعادل قيمتها سنتيمين وذلك إذ ذاك غير تافه، خصوصا عند الطلبة المدقعين في تلك البلاد الفقيرة.

المعسول · الصفحة ١٤٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ١٤٢٠