ولما اشتغلت بالقراءة في هذه المدرسة ( الشوشاوية ) أخذت الرتبية من عند بعض أهل البلد أشهرا، فرأيته هو وأهل داره يستميلونني إلى ذلك فزهدت في رتيبتهم خوفا من عاقبة الأمر، لأن والدتي المقدسة كثيرا ما توصيني على أمثال ذلك مخافة القواطع، لأنه كم من تلميذ غريب مقطوع عن والديه في بلاد بعيدة بصير متأهلا مستوطنا، لاسيما أولاد الفقراء، ولما تخليت عن الرتيبة جاءني صاحبي هو وامرأته وبناته، كأني ولدهم، فقالوا لي مالك قد انقطعت عنا؟ أو لم يعجبك طعامنا؟ أو قطعك عنا غيرنا ممن هو أفضل منا؟ فقلت لهم لا ذا ولا ذاك بل أنا من أولاد أغنياء بلدي، وذوي الثروة العظيمة منهم، ويأتيني من أهلي من أنواع المؤن والزاد من كل صادر ووارد شيء كثير، فأخرجت لهم سمنا وعسلا (1) كثيرا ولوزا ودراهم كثيرة، مما لا يحسبونه عند أحد فأتحفتهم بشيء من ذلك وسألت منهم المسامحة عن الأيام الخالية.
وأما أولاد الفقراء فقليل منهم من يرجع إلى بلاده، عند إتمام تعلمه، لما ذكرنا، فتجد أكثر أهالي بسائط سوس من هوارة ورأس الوادي وهشتوكة إلى حاحة ليسوا بأصليين، بل من أهل النواحي الجبلية وغيرها، ولتيسر أسباب القراءة في السوس الأقصى صار غالبهم طلبة قراءات أو طلبة علم، والأمية في غالب أقطارهم قليلة لشدة ارتباط أهل الأقطار القريبة والبعيدة، فيشتركون في الموارد العرفانية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. 280/3
281/3
فصل في ذكر بعض حوادث وقعت أثناء إقامتي
بالمدرسة ( الشوشاوية )
(1) كنت أنا والمرحوم سيدي عبد القادر المسفيوي عند ابن زيدان رحمه الله وعنده المترجم، فصار ابن زيدان يلمزه بالفقر مداعبة، فذهب مسرعا فإذا به أتى بإناء طافح بالعسل، فقال له أليس هذا دليل غناي ؟ ذكرت الآن هذه الحكاية بمناسبة ما ذكره هنا تصديقا لما ذكره عن نفسه.