تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه محاسن هؤلاء الطلبة ومساويهم في هذه المواسم، وقد ذكرنا كثيرا من محاسنهم في أوقات الاستعدادات لها من الاعتناء بها أدبيا وماديا، حتى أن القبائل المجاورة لتلك المواسم تهتز لها، وتتطلع تشوقا منها إلى أسراب الطلبة عند ذهابهم للموسم، وإيابهم منه، في حالة جميلة، وشارة حسنة، فيكتسبون منها غبطة كبيرة، تؤديهم إلى الاعتناء بأولادهم وتربيتهم صغارا على القراءة وحفظ القرآن، وتغذيتهم بالعلوم الشرعية، فلا يمر بسبب ذلك عام أو عامان إلا وتلقى زيادة محسوسة في المكاتب الصغار والعظام، من أنواع الصبيان، والتأنق بالتعلم والتعليم وتنمو بذلك روحانية العلوم الإسلامية، وتستأصل به جرثومة الأمية والهمجية، فبذلك كله صار السوس الأقصى مشحونا بأهل العلم والدين، وتعظيم الكل، فلا تسمع زمنئذ إلا لفلان ولد نجيب، ولفلان ولد حافظ للقرآن، ولفلان ولد عالم، فصار ذلك كله رائجا عندهم فبذلك زاد اغتباط الناس، فتنافسوا في تقديم أولادهم إلى المكاتب، فانتشرت العلوم، وعمت الأقطار، ما بين عالم متفنن متضلع، وبين قارئ حمزاوي أو عشري مجود للقراءات متشبع (1) إلى حدود الخمسة والثلاثين بعد الثلاثمائة والألف فجعلت شمس تلك الإعصار المضيئة تركض في مغرب أفولها، إلى أن غابت أضواء تلك المطالع بالكلية في ظرف خمس سنين، لاستيلاء ظلمات الرفاهية وأسبابها، وتبدلت بالكلية ( كأن لم تغن بالأمس ) تلك الأخلاق بانسداد أبوابها، وطمت في بحور الأخلاق الجديدة العصرية الناشئة من تراكم الاحتلال الأوربي، فانغمس الناس في أوحال المعايش، لما اجتمع عليهم من تعاقب السنين المجدية، وأنواع الملاذ المألوفة، والتفنن في المآكل والمشارب المستلزمة لترك الأخلاق القديمة، والأخذ بالأخلاق الجديدة، من التلون في الأفكار من طور إلى طور،

(1) كل ما قاله المترجم من هذا الاعتناء العجيب أدركناه في أواخر عنفوانه وذلك كله صدق، و (ما يوم حليمة بسر) وإنما يؤاخذ المترجم بالإغراق.

المعسول · الصفحة ١٤٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ١٤٠٤