وأما وقعة ( تاساونت ندريس ) فهي في موضع ضيق من بين السدين، فهي أعظم الوقائع الثلاثة، لأن العدو ترك المحلة ( يعني الجيش ) حتى توغلت بين الجبلين، حيث لم يبق منها فارس ولا راجل، فأطبقوا عليها وسدوا دونها المنافذ والشعاب، والأنقاب والطرقات، ففتكوا بها وجعلوا يقتلون ويأسرون فوقعت الدهشة والتحير للعسكر، ودبت فيه هيبة العدو، واستولى على قلوبهم من الفزع والخوف والهلع ما عقل أيديهم عن الضرب، وأخرس ألسنتهم من النطق فضلا عن التفكير في الحرب، فأكثر الفرسان يسترون وجوههم وأعينهم عند وثوب العدو عليهم، لضربهم بالرصاص أو السيف، لئلا يعاينوا عين الموت الأحمر، فتتبع العدو رجال العسكر وفرسانه إلى أن أتوا على آخره فكانت هذه خاتمة حروبه من هذا الوجه الولتيتي، وفي هذه الوقعة الهائلة قتل القائد الأعظم الرئيس الأكبر البطل الذي لا ترده مخافة الأوجال، ولا تقلبات الأحوال، الحاج أحمد الكيلولي المضروب بشجاعته الأمثال، وسبب قتله أنه لما قاد تلك العساكر الجرارة إلى حتفها، وتأخر وراءها يفرق عليها قرطاس (1) البنادق الرومية الأوربية الجديدة العصرية بالنسبة لذلك الوقت 260/3
(1) القرطاس، ذخيرة البنادق في عرف المغاربة.