ولما قضى عبد الله بن علي على غادره، استبق إلى أن طلع ذروة كدية تعرضت له تسمى ( تين أورعم ) ( أي ذات الجمل ) فأطلق منها طلقتين من بندقيته، وتلك علامة اعتادتها قبائل سوس إنذارا بالشر، ليأخذ الناس حذرهم من العدو، وليجتمعوا لكونهم منتشرين كما تقدم في ضم الزروع، فلما سمع الناس تلك الأمارة المنذرة، تسارع الناس مخفين إلى البلد، فانحشروا إليه بأجمعهم، ملتفين على عبد الله المذكور يخبرهم بتفاصيل عمل الغادر، وكيفية المقاتلة لتمامها، وأنا ممن حضر، وكنت حينئذ عند المؤدب، فخرجت فيمن خرج للقاء القاتل ومقابلته، وتلقي الخبر من فمه مشافهة، فرأيت في جبهته غضة عضه بها غريمه، لما أحس بالموت تحته، فسال الدم على جميع ذاته، كأنه شج فيها، رحم الله الجميع، فشاعت أخبار موته في جميع القبائل المجاورة، لأنه ممن ذاع فيها خبر بطشه، وسرى فيها نفوذ سلطته بما له من العصبية القوية، فهز قتله جميع نواحي سوس، فطن في الآذان من الجميع موته، واعترف الناس لقاتله بشجاعة عظيمة، وشهامة كبيرة، ولما شاعت الأخبار عند العدو، انقضوا انقضاض البزاة على الأرانب، وتسارعوا لحصار البلد، مستعينين بطوائفهم الظالمة، من أيت ( فم الحصن ) وأيت مسعود وأيت علي وتاهالا، فاستنفروا الناس طوعا وكرها، وجاءوا بقضهم وقضيضهم وخيلهم ورجلهم، وأخذوا بمخنق البلد ( آوالا ) من جميع الجهات فلا يبدو على أسواره (1) كلب ولا دجاج ولا بهيمة إلا أطلقوا عليها الرصاص، وحاصروا البلد سنة كاملة، ولكن لوجود أهل الشجاعة وأهل الأباية والبسالة في البلد غدا حصارهم هباء منثورا، فلم يغن عنهم شيئا، ولما أعيتهم الحيلة تمالأوا مع الحاج إبراهيم الإيغشاني، وكان له إذ ذاك نفوذ عظيم، ووجاهة في جميع 254/3
(1) يعني جدران الديار، لأن البلد له سور فضلا عن أسوار، و (آوالا) قرية فقط من قرى البادية الصغيرة.