واعلم أنني لما وصلت الحزب الثامن ( قال فما خطبكم ) ابتدأت ما أشرنا لذلك فيما تقدم على المرابط سيدي محمد بن بلقاسم المذكور، وختمت عليه القرآن كله كما ذكرت، حفظته كله حفظا جيدا لكثرة اعتنائه أيضا بنا، بخلاف من تقدم من آل ( كرسيفة ) فإنهم كعادتهم مع غيرهم من القبائل لا يبالون ولا يعتنون بالمتعلمين، مخافة من نجاحهم، ومزاحمتهم في الرئاسة القرآنية والعلمية، لأنهم يتواصون على تهميج غيرهم من القبائل، ليستأثروا بأخذ الزكوات والأعشار، والعدالة والقضاء، والمشارطة في المكاتب، واستخدام العامة بأنواع الوسائل بالتدجيل والتلبيس عليهم، وكم من قبيلة بالسوس الأقصى(1) لاسيما جبال جزولة وحواليها موسومة بالشرف الصحيح لعمودها الواضح وضوح الغزالة في ضحاها، فيعمدون إلى زعامات معروفة من عندهم وتقولات اخترعوها، وخرافات ابتدعوها، فيضعون بها ذلك النسب الشريف ويزيلون بها ذلك الظل الوريف، ليبقى لهم ناموسهم العثماني الأموي محفوظا وبعين الإجلال من العوام ملحوظا (2) فكم من بطن من بطون قريش من بكري وعمري وعلوي، وهم أكثر، وجعفري وغيرهم ممن التجأ إلى تلك الجبال هاربا، وتوغل في قننها العالية عن حريته مدافعا ومحاربا، لاسيما أولاد المولى إدريس بن إدريس بن عبد الله لما تغلب عليهم بنو العافية من زناتة في القرن الرابع الهجري وتشتتوا في كل وجه، منكرين لذلك النسب الشريف حقنا لدمائهم، فتسرب جمهورهم إلى جبال جزولة ( ولتيتة ) و ( مانوزة ) إلى بلاد القبلة من جهة القبلة، وإلى هيلانة– إيلالن– إلى جبال درن من جهة الشمال، ومثلهم أيضا الأشراف السعديون أوائل القرن الحادي عشر، وقد وقعت بينهم الفتنة فشتت بعضهم بعضا، إلى أن قضت على بقيتهم الباقية عاصفة الشبانات، وهبت ريحها العاصف
(1) مراكش فما ورائها عند السوسيسن.
(2) قد يكون في السادة الكرسيفيين بعض يتصف بهذا، ولكن الأكثر – وهو المعتبر – خال من هذا الوصف، ولا تزر وازرة وزر أخرى.