تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( تنبيه ) كان التلميذ في ذلك العهد إذا ختم القرآن في المرة الأولى بالسوس الأقصى يلحظ بعين التعظيم في جميع قبيله وغيره وسائر أبناء جنسه، فيعلقون عليه آمالا كثيرة، ويرجون مستقبله، فتسري فيه روح التعظيم، فيتكلف أنواع الأخلاق الحميدة من لطف وتواضع وحياء وصمت عما لا يعني، وجدوا اجتهاد في اكتساب المعارف والزيادة منها وفيها، وتدب فيه نخوة علمية يتعالى معها عن سفاسف الأمور، حتى تبلغ به تلك الأخلاق الممودة إلى ذروة المجد، وترنو إليه العامة بأعين الكمال، فيعرف ذلك هو أيضا في نفسه، وتتكيف منه الهمم العالية، إلى أن تؤديه إلى الاشتغال بالعلوم المتنوعة، فيحصل فيها أوفر نصيب، ويضرب منها بسهم مصيب، فعندئذ يحصل عندهم الشموخ، لبلوغه لديهم درجة الرسوخ، فيغمرهم من هيبته ما يحملهم على الخضوع له قلبا وقالبا، غيبة وحضورا، فلا يكاد أحد منهم يتكلم في ناديه إلا بإذنه، أو في محفله إلا بأمره، وصار مستشارا لا يقطعون أمرا دونه، فيرجعون إليه في جميع مهماتهم تبركا برأيه وإشارته، فإذا نهاهم انتهوا، وإذا أمرهم ائتمروا، ومتى زجرهم انزجروا، فلا يأنفون من كلامه ولا يستنكفون من ملامه، فإذا حضر فالخير كله لديهم حاضر، ومتى رأوه ولو من بعيد قاموا جلالا له، كما تقوم للمؤدب المحاضر (1) وإذا تسوق أسواقهم أو حضر مواسمهم صاروا يهتفون به، ويتباشرون فيما بينهم، وتراهم من كل حدب ينسلون إلى حضرته تحت ظلال بعض الأشجار، أو الديار المجاورة للموسم أو السوق، لأنه لا يدخل مع العامة في زحام ذلك، محافظة على كرامته ونزاهة عن ضجتهم ولغوهم، فترى الناس أفواجا يذهبون لزيارته وللاقتباس منه، ويتحاكمون إليه فيما شجر بينهم، وإذا حكم بين الخصمين نفذ حكمه فتلك الفتوى بمنزلة الحكم عندهم، لأن العوام بمجلسه كثيرون، فإذا استفتى التفتوا إليه، وإذا نبس ببنت شفتيه ولو بكلمة واحدة، وقعت منهم موقعا عميقا في القلوب،

(1) أي التلاميذ على لسان السوسيين.

المعسول · الصفحة ١٣٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ١٣٦١