مع استشعارهم واستحضارهم لتمام الخشوع والخضوع لكلام رب العالمين، واحتسابهم من خطواتهم التي خطوها من بعد الشقة وطول المشقة وقطع الفدافد حرارة وبرودة، شعثا غبرا، أجرا وعملا صالحا، ونعم أجر العاملين، وتراهم يتساءلون فيما بينهم متى تمام الختام والانفضاض من تلك الحضرة القرآنية الختمية المباركة الربانية، فيهنئون من حضرها بكل خير ويعتقدون له حصول الثواب والأجر، كأنما رجع من حج مبرور، كما إنهم يرنون إلى عادة حضورها بحرمان كثير، وأنه في غفلة ساه في ترهات الغرور وألسنتهم تتلو فيه قوله تعالى: ( ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذبا صعدا ) وإن الشيطان يلعب به، ويدرس به مع البهائم حيث له فيه جرين، أو يفترسه مثل الأسد الضاري في فلوات له فيها عرين ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) ثم جعلت تلك النواميس القرآنية وتعظيمات الحرمات الشعائرية تنحط شيئا فشيئا من حين وفاة الملك المولي الحسن بن محمد المذكور إلى هلم جرا، وصار التلميذ بعد ذلك يختم القرآن في قبيلته، ولا يشعر به من هو معه فيها، إلى أعوام السلطان المولى عبد الحفيظ عام 1325هفلا يشعر به الا من في البلدة التي هو فيها إلى أعوام الثلاثين من هذا القرن الرابع عشر أيام السلطان المولى يوسف بن الحسن، فعمت العوائد الخارجية أقطار سوس، بعدما وقعت حروب كحروب البسوس، فاستولت 245/3
246/3 العوائد الافرنجية بكثرة الامتزاجات والخلطة على أبناء سوس الذين انتشروا كما انتشرت تجارتهم في المغارب الثلاثة، بل إلى أوربا وأمريكا فاكتسبوا شتى العوائد، فطمت على العوائد القديمة، كالسيل الجارف، فقضت على بقيتها، وانقضت أنواع التعظيمات وصارت شعائر الدين نسيا منسيا كسائر الأقاليم.
فكان ما كان مما لست أذكره *** فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر