هذا منتهى ترجمتي، أما إجازات الأشياخ فلم أتحل منها بحلية، ولا كانت نفسي قط تتوق إلى تلك المنية وما كنت أرفع رأسا أن أكون عالما ولا فقيها ولا مدرسا، ولشأن نفسي أصغر عندي من ذلك، ولولا الإلتجاء ما درست درسا واحدا، ولكن كان ذلك في الكتاب مسطورا، ومن أدرك وعرف أولئك العلماء لا يحدث نفسه أن يلتحق بنجوم السماء، ولما كنت في المدرسة المروانية كنت أحمل الطلبة على سرد البخاري وإكماله في رمضان، فكل من سمع بنا يطعن فينا، ويقول لا فائدة في هذا السرد، وينهي إلى الطلبة مقالات أولئك الطاعنين، فأتاح الله لي طالبا سملاليا يجول، وفي يده رحلة ابن بطوطة، ولم أرها قبل ذلك، فأخذت الكتاب وفتحته، فنظرت في وسطه ترجمة جامع دمشق أو غيره من الجوامع، يقول مؤلف الرحلة قرأت صحيح البخاري كله على شيخ ذلك الجامع في أربعة عشر مجلسا، فحمدت الله وترحمت على ذلك الشيخ وعلى شيخي الصوابي، ولكما دخلت على شيخي الصوابي للزيارة يسألني عن قراءتنا فأشرح قضيتها وكثيرا ما يقول لي:
قليل منك يكفيني ولكن *** قليلك لا يقال له قليل
أما شعري فما كنت أبيض له أبدا، وما أراه إلا نفثات مصدور، غير أنه علق بقلبي منه أبيات في أول قصيدة قلتها في مراكش مدحا للسيد الحاج محمد النظيفي رحمه الله:
ألا طف بكعبة المعالي وسلم *** وركن الهدى جزما هنالك يمم
وأحرم بميقات الفنا واخلع المرا *** فليس سوى الإخلاص يرضي لمحرم
وقف بعد ذاك للوداع وغلسن *** ركاب المنى نحوا لمنار المعظم
إمام له في المكرمات معالم *** متى ما يسمها الوهم يخسأ ويسأم
معالم لو تكسي النجوم سناءها *** لما اعتاد نهج الغي رأى منجم
ولو نال من ذاك السنا ما اختفى السها *** أو البدر لم يمنح محاقا ويغمم 197/3
198/3
فذلك مولانا النظيفي من له *** براهين مجد أفحمت كل مخصم
ومنها:
سل الخافقين أن نبأ عن كماله *** بنات الدجى فألحق أبلح مبهم
إذا نكية جنت جلاها بهمة *** كما كشف الإصباح أذيال مظلم