البلد وودعني. وقال أعييت أعييت. وعند الإعياء يقبض الإنسان. فلما وصلت ( تامصلوحت ) وصلني نعيه، فرجعت إلى بلدي. وكان يقول لي عليك بالفقه ولو رفعت المجرور. فبالفقه يعبد الرحمن، وبه يعرف الحلال والحرام. وكان يقول لي أوصاني والدي بقوله إن الفواحش ما بينها وبين الإنسان إلا درجة واحدة. متى رفع رجله إليه لم يبال بعدها بأي عظمة.
وأما الجد سيدي علي بن محمد بن ـ فتحا ـ فقد أرخ الوالد موته. فقال توفي والدي السيد علي بن محمد وقت الظهر من يوم الجمعة الخامس عشر من ذي الحجة الحرام عام 1302 هوكانت وفاة الجد وهو يخدم في أرض له فجاة، وكانت تعتاده ذات الجنب، وهي السبب في موته وموت الوالد رحمة 191/3
192/3 الله عليهما. وكان الوالد يقول هذا المرض هو السبب في موت أبي وفي موت أخي سيدي عبلا بن علي. وهو أيضا سببي فكان الأمر كما قال. غير أن والدي بدأ فيه ذلك المغص والانحصار يوم الأربعاء فلم يبل ولم يتنفس إلى أن صلى الظهر بإيماء. والجد سيدي علي رأيت ببلدنا حكمين أبرمهما أحدهما في إبطال صدقة بعدم حيازة المتصدق عليه. والثاني في منع أخي الأم من الميراث مستدلا فيهما بكلام ابن أبي زيد في الرسالة. ووثائقهما كثيرة جدا في البلد.
أما الجد سيدي محمد بن محمد ـ فتحا منهما ـ فكان الشيوخ الطاعنون في السن ببلدنا يذكرون أنه كان يهرب من المكتب، ويوثقه والده حتى يرده إلى الكتاب فسمع يوما معلم الصبيان. يملي على بعضهم ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) فأوقف ولده وحل الوثاق من يديه. فقال له سر في حال سبيلك. لا أراك أبدا. وبعد حين جاءه ولده بفلوس. وقال له ما هذا ؟ فقال هذه ستون مثقالا. فقال له والده إنك لا تغويني بستين مثقالا. ولو أتيتني بستين حزبا لقبلتها. فذهب عنه فلم يعلم أحد بخبره حتى رجع حافظا للقرآن.